الجمعة، 30 يناير 2026

رجل الطين ، عتبات الهشاشة


في مجموعتها القصصية الأولى والأحدث " رجل الطين " للكاتبة رحاب لؤي – والتي تجيء بعد رواية فارقة ومهمة في المشهد الثقافي العربي " قرية المائة " – يقف أبطال المجموعة على حافة الكثير من العتبات الفرعية التي تسيطر على أجواء المجموعة بالكامل " عتبة الفقد " بكل أشكاله وصوره " موت ، طلاق ، تقاعد ، وخيانة " و " عتبة الانهيار " بكل أشكاله " اكتئاب ، خوف ، عجز واحتراق " و " عتبة الخرافة " ، بينما العتبة الرئيسية التي يقف الجميع هنا على حافتها بلا استثناء بمختلف معاناتهم وآلامهم وحكاياتهم هي " عتبة الهشاشة الإنسانية " . تكتب رحاب لؤي في مجموعتها القصصية " رجل الطين " عن بشر عاديين ، في منتهى العادية ، في لحظات انكسار غير درامية بالمرة ، وعبر أدوات رمزية في منتهى الذكاء السردي ، وبوعي نفسي عميق وبطريقة صادقة ومؤلمة ومتماسكة كعالم واحد لا يتجزأ ، عبر مجموعة من الأماكن ليست محايدة بحد ذاتها ، وليست مجرد ديكور وهمي يتحرك فيه الشخصيات بلا هدف ، تكتب واحدة من أعذب المجموعات القصصية وأكثرها إيلاماً ، يقف فيها جميع أبطالها على حافة عتبات الهشاشة ، ولا أحد فيهم يعبر تلك العتبة إلى خلاص نهائي ، لكن الجميع يتعلم كيف يقف ولو مؤقتاً ، دون أن يسقط سقوطاً مدوياً ونهائياً . لا خلاص هنا ، بل إعادة ترتيب ، إعادة تموضع ، ورؤية مغايرة للألم والحياة . شخصيات رحاب لؤي ليست ثورية ، وليست بطولية ، بل تتكيف تماماً مع وضعها الحالي ، وتتعلم كيف تحتال على الألم ، بل وتخترع وسائل بقاء متفردة ، تواجه عجزها وتتفهم أن العجز ليس فشلاً بل وضعاً إنسانياً طبيعياً حين تختل مفاهيم العالم ، وتختل معها ضمائرنا الإنسانية . كل هذا يأتي مغلفاً بلغة شديدة العذوبة والشفافية والصدق ، لغة ترفض الميلودراما الفجة ، بدون خطابات زاعقة ، وبدون أن تحتمل من المعاني ما لا يمكن أن تحتمل ، لغة ينبض الألم والوعي الإنساني والضمير الحيَ في كل تفصيلة فيها ، عبر وصف سرديَ يكاد يكون هو بطل المجموعة الأوحد وبلا منازع ، لتقدم لنا اثنتى عشر قصة فارقة في وجودها الأدبي . 

   رجل الطين : 

أنت في قلب الحدث مباشرة ، حال كل قصة قادمة ، بلا مقدمات أو فلسفة فارغة ، قصة تقوم على ثنائية الأعلى والأسفل . البطلة في مقعدها الدائم خلف ثقب في نافذة هو تذكرة ولوجها للعالم الخارجي " ثقب نافذتي الذي جاء بالضبط أمام ناظري ، بطول جلستي فوق المقعد ، هو منحتي الربانية " ، بينما الرجل العاري إلا مما يستر عورته في الأسفل ، حفرة في الأرض ، ولكنه حر في وجوده الروحي . هذه المفارقة تخلق توتراً دلالياً ، العجز الجسدي لا يعني بالضرورة ضعفاً ، والانحطاط المكاني لا يعني انعدام القيمة . ثقب النافذة الذي يمثل للبطلة رمزاً كلاسيكياً للحد الفاصل بين ( الداخل \ الخارج ) ( الذات \ العالم ) ( الأمان \ الخطر ) هو أداة رؤية فقط لا مشاركة ، مما يعمق مأساة البطلة ، أنها ترى ، ولكنها لا تستطيع فعل شيء . " الطين على جسد الرجل القابع هناك ، داخل الحفرة ، كأنما يلتصق بي ، وأثر البلل ، كأنما يبللني أنا ، فصرت أمرض وأجوع نيابة عنه " تمثل الأم هنا سلطة الخوف والحماية ، ترى الرجل شيطاناً وتحاوط ابنتها بعنايتها وخوفها من العالم الخارجي بكل ما يمثله " لكن أمي تحبني كثيراً وتخاف أكثر " بينما يمثل الأب هنا سلطة المعنى ، التصوف ، والإيمان بالباطن ، يرى رجل الطين ولياً من أولياء الله الصالحين ، يشفق عليه ، ويحنو عليه . تقول الفتاة بعد وفاة الرجل " لماذا نبكي حين يموت الطيبون ؟" تسأل نفسها سؤالاً يبدو في ظاهره السذاجة والعفوية ، ولكنها سرعان ما تجاوب نفسها إجابة تعتصر القلوب وتحمل في طياتها كل براءة ونضج هذا العالم الذي تكاد لا تعرف شيئاً عن وجهه البشع " ربما لأن الكون بشع جداً ، لأنهم يمثلون رحمة الله في الأرض ، تصير الدنيا أكثر قتامة من دونهم ، أو لأنهم أسدونا خدمة جليلة بأنهم لم يكونوا أوغاداً ولا مجرمين " تطرح الكاتبة عبر تلك القصة اشكالية الألم المشترك ، وكيف يعاد تأويل البؤس بعد زوال خطره ، وكيف يتحول العجز إلى بصيرة ، وتصرخ في وجه مجتمع لا يرى المختلف إلا بعد موته . 

 الممـــــــر 

 يقف مختار بطل قصة " الممر " على حافة عتبة وجودية ، الخروج على المعاش ، الفراغ المنتظر ، الشيخوخة الرمزية ، عتبة فقدان المعنى . مختار هنا هو شخصية إشكالية ، لا تحرك الحدث ، بقدر ما يكشف الحدث نفسه عن هشاشته الداخلية ، شخصية عابسة وكئيبة ، لا يرى الحياة إلا " سلسلة متواصلة من المعاناة " ويؤمن أنه " لا يتوجب على المرء أحياناً أن يفكر في أبعد من لحظته الحالية " .. يحاول مختار أن يتفهم شعوره ، يدرك احداثيات ما يمر به ، حدود مشاعره بالضبط وهو يقف على حافة عتبة الفراغ الكبرى التي تنتظره ، ولكنه لا يدرك في النهاية ، خصوصاً أن سعد ، صديقه الوحيد الذي خطط مختار لتقاعد أعتبر فيه سعد ركناً أساسياً فيه ، القطب السردي المضاد الذي يمثل نقيض مختار في كل شيء ، ولكنه الصديق الذي لا يحاول تغيير مختار ، يحترم غضبه ، ويمنحه دوماً مساحته ، ولكن مختار يفقد سعد للأبد فجأة ، ويتحول هذا الفقد إلى فقداً كارثياً ، يفكك استقرار مختار الهش ، مختار هنا لا يفقد صديقاً فقط ، بل يفقد الآخر الذي كان يتحمله بكل عيوبه وهشاشته النفسية . في جنازة سعد ، ترتدي الطالبات أوشحة حمراء ، ويقفون في ممر شرفي لجثمان المعلم الذي يحبه الجميع ، هذا الممر يفسره مختار في وعيه الواعي أنه مجرد نفاق وإدعاء .. بينما في لاوعيه ، يدرك تماماً أنه اعتراف ضمني وصريح بشخصية الرجل الذي ترك معنى وأثر في نفوس الآخرين ، ويغضب مختار للممر .. يستنكره ، يبدو هنا غضباً ليس أخلاقياً ، بل دفاعياً .. هو ينكر قيمة الاعتراف الإجتماعي ، لأنه يشك تماماً في داخله من استحقاقه له . يظهر هنا الصدع الداخلي والهشاشة التامة ، مختار ، يدعي الإكتفاء الذاتي ، يستنكر ، ولكنه في أعمق أعماقه يتوق إلى مثل هذا الإعتراف .. كل هذا يظهر عندما يدخل إلى مقر عمله في يومه الأخير " هكذا الأمر إذا .. لاشيء " لا أحد ليودعه ، لا أحد يتذكره ، ولا أحد يهتم .. غياب الاعتراف الذي كان مختار يستنكره يضعه وجهاً لوجه أمام مشهد من الفراغ الخالص ، لا صراع هنا ، بل انكشاف داخلي كامل ، سؤاله عن غياب الممر الشرفي ليس سؤالاً بريئاً عن مجرد طقس اجتماعي ، ولكنه مجموعة من الأسئلة التي هوت على رأسه كمطرقة " هل كنت مرئياً ؟؟ هل تركت أثراً ؟؟ هل كنت موجوداً من الأساس .. ؟؟ " " حان وقت الكوابيس يامختار .. لا أرض تحتك ولا سماء " هكذا يردد لنفسه . في أثناء عودته ممتلئاً بمرارة الإنكار ، يشتري مختار نبتة متسلقة ، مقاومة للظروف المناخية ، تنمو بقوة ودون جهد يذكر ، يطلق عليها اسم " سعد " ويحملها إلى بيته . شراء النبتة هو خاتمة رمزية شديدة الذكاء ، كل الصفات التي اختارها في النبتة هي صفات تعاكس حياة مختار الداخلية السابقة ، وبينما يشكل الإنهيار الذي واجهه مختار عند خروجه من المدرسة وكأنه لم يكن لحظة مواجهة الذات بلا أقنعة ، تظهر النبتة في حياته كأنها جسراً يحمله من التعلق بالبشر إلى التعلق بالمعنى ، وشكلاً بسيطا من العلاج الرمزي الذاتي ، مجرد نافذة أخرى تفتح له باباً من أبواب المقاومة ، يتحول فجأة من رجل يظن أن عدم الإكتراث يحميه ، إلى رجل يكتشف أن الإنسان لا يحتمل العيش بلا أثر . قصة نفسية بامتياز ، لا تقدم خلاصاً بطولياً ولا سعادة كاملة ، بل حياة أهدأ ، وأكثر احتمالاً . 

  حزن أبيض

تسير القصة على مسارين متوازيين ، يلتقيان في النهاية رغم استحالة ذلك فيزيائياً . المسار الأول يمثل الرحلة المكانية تبدأ من بيت الأم .. السيارة .. الإسكندرية .. وتنتهي بالبحر . والمسار الثاني والذي يمثل الرحلة النفسية والتي تبدأ من الخوف والإغتراب .. الصمت .. التقبل .. المحو .. ثم تنتهي بالامتلاء .. الحدث الخارجي هنا بسيط جداً ، ولكن تتجلى قيمته الأدبية من كونه حاملاً لتحول داخلي عميق في نفس طفلة تقف تماماً على عتبة الهشاشة الداخلية بمفردها . مجرد فتاة صامتة ، لا تبكي ، لا تتذمر ، لا تشكو ولا تطالب . صمتها ليس حيادياً ، بل مجرد لغة دفاعية بحتة ، صمت يكشف هشاشة شخصيتها ، ويمنحها في الوقت نفسه قوة داخلية غير معلنة وفرصة لمراجعة ذاتها الواعية تماماً بها ، هي ليست بطلة فاعلة ، بل محتملة ، تعيش الأحداث دون أي قدرة على تغييرها . عندما تواجه البحر لأول مرة في حياتها القصيرة ، لا تواجة مكاناً مجرداً ، بل حدث وجودي . لذلك عندما تقف على عتبة الماء ، تتوقف ذاكرتها ، تسقط الانقسامات ، وتتلاشى تماماً كل المشاعر السلبية التي كانت تسيطر عليها منذ بداية الرحلة ، يؤدي البحر هنا وظيفته المثالية في التطهير ، والعودة إلى الأصل ، ومثل الاحتواء الواسع غير المشروط ، نسيانها حتى لأمها لا يحمل أي قسوة ، بل يدل على تعليق مؤقت لكل الروابط في حياتها القصيرة ، حتى الأكثر أماناً منها . يمثل النسيان هنا بوصفه شفاءاً لا إنكاراً ، هي لم تحل مشاكلها ، لم تشعر بالأمان المطلق ، ولكنها بهذه المواجهة حصلت على استراحتها النفسية ، وعلى احتواء بلا شروط ، وطمأنينة مؤقتة بلا صراع . تتحول الطفلة من شخصية تقف على عتبة الهشاشة ، إلى طفلة تمتلك العالم كله ، ولو مؤقتاً . انتصارات صغيرة . 

 في الظلام .. 

هنا يتجلى الوصف بصفته بطلاً فاعلاً وليس مجرد أداة سردية .. قصة عن إمرأة تعيش تحت وطأة البؤس المتراكم ، والخيارات المحدودة ، والخوف بصفته جزءاً من حياة يومية طاحنة ، في مكان بائس ، وسيلة المواصلات فيه تمثل سلم إنحدار ، أداة يفقد بها البشر إنسانيتهم ، ويتحولون إلى مجرد بهائم ، وسيلة تغيب فيها الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية ، وأدنى متطلبات الأمان ، يصبح الجسد هنا مجرد سلعة تٌكدس ، مجرد وسيلة مواصلات قبيحة هي نتاج سنوات الذل والفقر والجهل والمهانة . يُقدم سائقها هنا كنتاج للغضب .. القهر .. وشعور بالقوة الزائفة .. حين تحثه " نور " على الإسراع لكي تلحق بعملها لا يسمع منها طلباً ، بل يرى طلبها إهانة ، فينتقم منها بالسير بسرعات جنونية على طرق بائسة غير ممهدة ، وهنا تتحول السيارة البائسة إلى مجرد أداة عقاب جماعي لبشر لا ذنب لهم إطلاقاً إلا أنهم يطلبون الحد الأدنى من معيشة كريمة ، لا يمثل الفقر هنا بمعناه الأشمل قلة المال فقط ، بل يتحول إلى أداة لخيارات أسوأ ، مخاطر أكبر ، مجرد فقر يصنع إحتجاجاً رمزياً أفقياً " بين الفقراء أنفسهم " بدلاً من أن يصنع إحتجاجاً رأسياً " ضد البنية الظالمة نفسها " .. الفقر هنا ليس فردياً ، بل مؤسسياً ، ليس نتاج تفاصيل صغيرة ، بل نتاج لتراكمات مأساوية عصفت بالطبقات الأدنى في السلم الإجتماعي ، قصة واقعية سوداء تطرح سؤالاً هاماً " كيف يصبح الموت احتمالاً عادياً في حياة المهمشين ؟؟ " 

 قلب عبد الوهاب 

تتحرك هذه القصة وفق منحنى واضح ولكنه غير تقليدي ، تبدأ بإمرأة تفكر في انتحار هاديء ثم المنعطف عندما يمر بائع النباتات ، ثم تصل إلى الذروة الرمزية بإختيار النبتة ، ثم انتهاءاً بالخاتمة التي تتحول فيها المرأة من حافة الفناء إلى حيلة البقاء . لا توجد هنا أحداث كبيرة ، بل حدث واحد صغير يغير مسار الوجود ، تشعر المرأة برغبة في إنهاء كل شيء ، تفقد الحياة بالنسبة إليها معناها تماماً ولكنها تؤجل فكرتها في الانتحار خوفاً من امتداد العذاب ، وخوفاً من إفساد بضاعة البائع الذي يمر تحت شرفتها دون ذنب ، في فعل يكشف حس المسؤولية حتى في أقصى لحظات اليأس ، وهو ما يجعلها شخصية إنسانية جداً ، ومثالية جداً ، ربما مثاليتها هي التي دفعتها دفعاً نحو تلك النهاية التي كانت على وشك الحدوث ، حتى يحول بائع النباتات الدفة إلى مصير آخر . يكون البائع هنا مجرد وسيط وجودي ، ليس منقذاً وليس مرشداً بل مجرد شخص يقدم أداة نجاة ، دون إكليشيهات رنانة . تختار المرأة نبتة تستطيع أن تنمو في الظل ، لا تحتاج إلى أدنى درجات الإهتمام ، تتحمل الجفاف ، تستمر في الصمود رغم فقدان أوراقها . هذا ليس اختياراً عشوائياً ، بل إسقاطاً كاملاً لحالة المرأة النفسية ، تمثل النبتة هنا حياة بلا شروط ، بلا وعود براقة ، بقاء بلا احتفاء ، جمال غير مرئي ، " كيف لا أكون بمثل قوة هذه النبتة ؟ " ، تسأل المرأة نفسها ، تنبهر المرأة بقدرة النبتة على النمو ، رغم الإجهاد والعطش وغياب الإهتمام ، والظلام والفقد ، يصبح هذا السؤال هو الأهم في القصة برمتها ، ولكن الذكاء السردي هنا لا يجعل المرأة تجاوب نظرياً ، بل تتحول فعلياً . تتحول من امرأه تقف على حافة عتبة التبدد وانعدام المعنى إلى إمرأة تبتكر طرقاً يومية للبقاء ، لا تُشفى تماماً ، ولكنها تستمر ، مجرد حبل نجاة بسيط ، ولكنه فعال . لا توجد هنا خطابات داخلية طويلة ، مجرد ضربات رشيقة بالفرشاة على سطح هش تماماً يمنح هذه المرأة الحياة ، عبر نبتة لا تحاكم ، لا تطلب ، ولا تخذل . نبته تمنح المعنى ، تستعيد المرأة مستعينة بالنبتة - كمثال حي على المقاومة – قدرتها الكاملة على السيطرة ، تتعلم التكيف ، بدلاً من السعي الكامل للتعافي . تقدم رحاب لؤي النبات في هذه المجموعة ليس بصفته زينة سردية ديكورية ، بل بصفته حلاً سردياً بديلاً ، يمنح المعنى ، يلهم الحياة ، ويعلم . في قصة الممر وقصة قلب عبد الوهاب لا يوجد خطابات مباشرة وعظية ، ولا خلاص بطولي ، بل مجرد كائن صامت ينمو ببطء ويغير المصير .. يتحول النبات فجأة في القصتين إلى بطل منقذ ، فاعل رمزي صامت ، في لعبة سردية جميلة ترفض المعجزات وتستبدلها بالاستمرارية ، في كلتا القصتين يرث النبات وظيفة الإنسان الغائب عند البطلين ، يرث مكان الصديق \ المعنى \ الرغبة العارمة في البقاء . يصبح جسراً يحمل التغيير المباشر من العلاقات البشرية الهشة ، إلى العلاقة الرمزية الثابتة .. في كلتا القصتين يصل البطلان إلى حافة لحظات الإنكسار القصوى ، يقتربون من نهاية منطقية ، حتى يظهر النبات فجأة في حياتهم ليقدم مسؤولية محدودة ، غير ضاغطة ، غير مباشرة ، لكنها ذات معنى في قيادة التحول من الأسئلة الكبرى والإنكار القاسي إلى لحظات السلام النفسي والتكيف والاعتراف بالحق في ممارسة الحياة بإنهاء القصتين دون إغلاق كامل ، بل بفتح اتجاة ، مجرد اتجاة ، لكي نجد أن مختار لم يبدأ حياة جديدة مع النبتة ، والمرأة لم تحب الحياة فجأة ، لكن كليهما تعلم من النبات كيف لا يموت . كلاهما يقفان على عتبة الهشاشة ، ثم يعبران إلى الأمان . 

 شوكولاتة

تبدأ القصة من حاضر مأزوم " رجل مطلق – مدخن سابق – محترق نفسياً " ثم تنفتح على الماضي عبر تكنيك الفلاش باك ليعود البطل في النهاية إلى حاضره القاسي دون حل فعلي سوى أمنيات سحرية غير متحققة ، عبر آلية تبرهن على عجز الحاضر عن إنتاج معنى ، مع هيمنة الماضي بوصفه الملاذ الوحيد . يظهر المكان هنا بوصفه محفزاً فاعلاً للذاكرة . تبدو المدرسة القديمة لبطل القصة كبوابة سردية ورمز للبدايات ، ليست كمكاناً عرضياً ، وجماداً بلا روح . بينما يشكل استدعاء الماضي من المدرسة إلى مرحلة الروضة حركة ارتدادية نحو الأصل ، وكأن وعي الإنسان ينكمش إلى الوراء بحثاً عن نقطة الأمان الأولى . كل هذا يبدأ بقطعة شوكولاتة كمكافئة طفولية ، وطقس عزاء وحيد في عالم قاس . بينما تلعب الذكريات والنوستالجيا واستدعاء الطفولة حيث كان السحر ممكناً ، مباراة سردية قاسية مع الحاضر ، حيث الاحتراق والحنين والفشل والزوجة المطلقة التي ليس الزوج " البطل " من ضمن أولوياتها . لتنتهي المباراة بانسحاب نفسي من واقع غير محتمل ، مع بحث عن ذات غير مثقلة بالخسارات لشخصية لم تهزم بضربة واحدة ، بل تم استنزافها ببطء . هنا تشكل قطعة الشوكولاته – التعويذة – الحنين إلى الماضي محاولات صغيرة لإعادة ترتيب عالم رجل فقد تماسكه . 

 غيمــــة 

امرأة أخرى تقف على حافة الهشاشة المطلقة ، مهزومة ، جريحة ، ضحية عنف زوجي ، تصحو من نومها وفي عينيها غيمة تجعل الموجودات من حولها غير مرئية .. تستعيد ما جرى ، ما تم ، يبدو الضباب الذي يحيط بها وكأنه حجاب بين الذات والعالم ، رمز لصدمة متراكمة ، ولغة جسد حين يعجز الوعي عن الاحتمال . بينما يشكل الضباب هنا حماية مؤقتة ، لا عقاباً .. تجاهد المرأة لتدرك أن جسدها يمارس حيلة لا تستهدف إفزاع بقدر ما تستهدف تهدئتها . لحظة تحالف جميلة بين الوعي والجسد ، الألم والمعنى ، لذلك بدلاً من الهلع ، تتنفس . تسمح لنفسها ألا ترى كل شيء دفعة واحدة ، تسترد ولو تدريجياً سيادتها الداخلية في عالم قاس وزوج عنيف وعمل فاسد وعدالة غائبة . 

 ضريح الشيخ 

تبني الكاتبة قصة " ضريح الشيخ " على انقسام حاد ، يمارس البطل الصغير في جزء القصة الأول مهرجاناً طقسياً بالغ العذوبة والدفء ومفعم بالحسية المطلقة . ثم يتحول كل شيء في جزء القصة الثاني إلى مجرد ركام . هكذا ببساطة . في الجزء الأول من القصة تبدو طقوس الصباح في البلدة الريفية ليست مجرد تفاصيل صغيرة أو روتينية في حياة أسرة ريفية بسيطة ( الإفطار – قراءة الفاتحة عند الضريح – اللبن ) بل نظام حياة متماسك يمنح العالم من حولهم قابلية للفهم والتعايش والطمأنينة . ثم في الجزء الثاني يأتي هدم كل شيء كصدمة سردية تكسر الإيقاع الحسي والدافيء للقصة وتحول النص من مجرد إحتفال وحنين إلى فاجعة وركام وعدم . يبدو المكان هنا في هذه القصة بوصفه كائناً ذات روح " المطعم هو القوت ، الضريح هو المعنى والقداسة والخرافة ، بينما يشكل بيت الجارة العلاقة الإنسانية . هدم كل شيء لا يؤسس لخطاب إكليشيهي ساذج ، بل يؤسس إلى مبدأ أن الحياة اليومية يمكن بكل بساطة وبجرة قلم ، أن تُقتلع تماماً من جذورها ، تُطمس الذكريات ، وتؤسس للفراغ كبديل رمزي للدفء والمحبة والعمران . قرار الصبي مغادرة القرية عقب عجزه عن مواجهة هذا العدوان الجائر ، هو مجرد فعل احتجاجي صامت ، وإعلان قطيعة مع مكان فقد قداسته بالنسبة إليه ، ونهاية مفتوحة على النضج القسري ، هنا يبدو غضب الصبي أنقى من حزنه ، حيث أزالت قوة غاشمة عالمه الدافئ من حوله دون استئذان . 

 مـــامـــا 

امرأة أخرى على حافة الهشاشة ، اشكالية الأمومة بوصفها استنزافاً ، الأم هنا مُحبة ، مسؤولة ، ولكنها منهكة حد التلاشي ، لا تكف عن حمل عبء أبنائها فقط ، ولكنها تفكر أيضاً في ابناء جارتها التي قضي عليها السرطان ، وتبدو تجسيداً حياً على أن الأمومة هنا عبء ثقيل أكثر منها بطولة رومانسية . تعيش المرأة ارهاقاً مزمناً ، وشعوراً دائماً بالذنب ، وخوفاً هستيرياً من الفشل في بث الطمأنينة في قلب أطفالها ، يقابل كل هذا استنزافاً عاطفياً وعصبياً ، تفكيرها الدائم بأطفال جارتها هو مجرد إسقاط لخوفها من مصير مشابه ، وعبء أخلاقي إضافي يزيد من الإحتراق النفسي . تظهر القطة في منتصف القصة كمرآة للذات المنهكة ، المستنزفة ، تضع المرأة لها الطعام ولا تسمح لها بالدخول ، ولكنها تفهم أن القطة تريد الونس والحنان وترفض الأكل .. وهي لا تقدر عليه ، تؤدي المرأة الحد الأدنى من الواجب الإنساني في محاولة منها لإسكات الشعور بالذنب الذي يأكلها .. تضع حول نفسها حدوداً قاسية لكنها تصبح ضرورية للبقاء . تضع القطة المرأة أمام سؤال أخلاقي قاسي : " هل مازال فيك متسع لكائن إضافي ؟ " فيما تبدو إجابة المرأة ليست بـ " لا " بل " ليس الآن " . إجابة منطقية لإمرأة وصلت لأقصى حدود طاقتها الإنسانية . 

 عمار البيت .. 

أكثر قصص المجموعة تفرداً في بنيتها وأفكارها وفلسفتها ، كوب الشاي الثقيل الذي تتناوله عقب وجبة دسمة ومشبعة . بطلها شاب " طول بعرض " الوصف المبدئي يخلق توقعاً بالقوة والقدرة ، لكن السرد يهزمه فوراً لنجد أنه " خائب وجبان " يغرق في الحيرة عندما يموت والده تحت أنظاره ، يطرد من شقته عندما يموت والده ، ولم يكن يجرؤ أحد على فعل ذلك أثناء حياة والده .. مشاهد رسمتها الكاتبة بضربات فرشاة سريعة ، تخلق تسارعاً خانقاً وشعوراً بأن العالم لا يمنح للضعفاء مساحة للحزن . يشتري شقة بـ تحويشة عمره ، شقة بلا جذور ، بلا ذكريات ، بلا دفء .. جاهزة تماماً لاستقبال الاسقاطات النفسية ، ولهذا تصبح فوراً مسرحاً مثالياً للخرافة . تظهر جارته العجوز في المشهد كمعادل موضوعي لصوت الخرافة الموروث ، الوسيط البشري بين الواقع والغيبيات ، تحذيرها له بأن هناك أرواحاً تسكن هذه الشقة لا يصنع الخوف من العدم ، بل يسميه ، يمنحه شكلاً وصفات يمكن التعامل معها . بينما يلجأ الشاب لسلاحه الوحيد في مواجهة الخوف الذي باغته دون أن يحتسب ، يقلب عينيه داخل رأسه ، يخترع حيلة تمكنه من السيطرة على قلقه ، إيهام نفسه بأنه يمسك بزمام كل شيء ، وأن الأمور لا زالت تحت سيطرته ، يهديء نفسه ، يتفاوض مع الأرواح التي لا يراها ، ولكنه يشعر بوجودها ، يبدو تماماً كشخصية مسالمة تبحث عن التعايش فقط لا السيطرة ، رغبة محضة في أن يعيش دون أن يزعج العالم من حوله ، تدب الطمأنينة في أوصاله عندما يختفي التشويش من الراديو وينطلق صوت القرآن صافياً ، طمأنينة ليست مصدرها اختفاء التشويش أكثر من أنه وصل ليقين ما أنه خاطب خوفه وأقنعه ونجح ، واطمأن . 

 في النهاية ، تنتصر رحاب لؤي في هذه المجموعة للمهمشين ، تربت على أكتافهم ، تنتصر لهم أحياناً ، ولكن الأغلب والأكيد أنها تنتصر بهم ،تفعل ذلك دون خطابات زاعقة ، أو ميلودراما فجة ، أو حتى محاكمات إكليشيهية .. مجموعة قصصية تنتصر للضمير الإنساني وتردنا رداً قاسياً إلى أنفسنا ، تجعلنا نرى العالم من منظور مختلف ، وتؤكد أنه مهما حدث فلا مجال للنجاة الفردية أو الجماعية سوى بأن نعترف أننا لن ننجو وحدنا .

الجمعة، 23 مايو 2025

منتهى

ممتلئ بالخوف أنت ، ممتلئ بثقل غريب وقاسِ ، تصبح الحياة أكثر من قدرتك على التحمل ، تبتعد عن نفسك مسافة سنين ضوئية ، حتى أصبحت تشاهد نفسك كفيلم سينمائي ، هذا لا يمت إليك بصلة ، أنت لا تعرفه ، ملامحه مطمورة تحت ركام الحيرة ، والشتات ، يقينك يتبدد ، قواك تخونك تدريجياً ، وتسأل نفسك كل لحظة ، أهذا كل شيء ؟؟ أهكذا ننتهي ؟؟ ، تعود بذاكرتك إلى ما مضى ، إلى الأحبة اللذين مضوا ، إلى كل الأماكن التي تركت فيها بعضاً من نفسك ، إلى الأحلام التى تبخرت قبل حتى أن تبدأ ، إلى الهمسات ، والشكوى ، إلى لحظات السعادة المسروقة غصباً من أنياب الحياة ، إلى الأفكار العظيمة البلهاء ، إلى الأفكار الساذجة العظيمة ، إلى ليالي كنت فيها أقرب إلى نفسك من حبل الوريد ، أين ذهب كل هذا ؟ كيف نوقف الزمن ؟؟ كيف نوقف هذا التيار عن السريان ؟؟ .. الأقسى عليك من كل هذا أنك حتى لا تعرف ما تريد ، والعمر ينفرط أمامك ، والعجز يحتل روحك ، مبددا كل يقين .

الجمعة، 9 مايو 2025

 

جمال الغيطاني 



“ أمنيتى المستحيلة أن أمنح فرصة أخرى للعيش.. أن أولد من جديد لكن فى ظروف مغايرة أجىء مزودا بتلك المعارف التى اكتسبتها من وجودى الأول الموشك على النفاد.. أولد وأنا أعلم أن تلك النار تلسع.. وهذا الماء يغرق فيه من لا يتقن العوم.. وتلك النظرة تعنى الود وتلك تعنى التحذير. وتلك تنبئ عن ضغينة.. كم من أوقات أنفقتها لأدرك البديهيات.. ومازلت أتهجى بعض مفردات الأبجدية ”

الثلاثاء، 6 مايو 2025

 لماذا لا أكتب ؟

أو المخرج الساذج حتى لا أشعر بالذنب

Edward Hopper 


هناك دائماً سؤالاً إكليشيهياً ومستهلكاً يسأله الصحفيين الثقافيين على الكتاب في كل مرة دون أدنى شعور بالضحالة ، وهو لماذا تكتب ؟ ..

لم يفكر أحد من قبل في طرح سؤالاً يبدو في نظري أكثر واقعية وتحققاً ومصداقية ، وهو لماذا لا تكتب ؟

ثم فكرت أنا أن أطرح هذا السؤال على نفسي ، حتى أعطي لنفسي مخرجاً أنيقاً وساذجاً في نفس الوقت يمنعني من الوقع تحت وطأة الذنب الذي ينهشني ليلاً نهاراً بلا رحمة .

أقول بكل صدق أنني لا أكتب لأنني لا أصلح تماماً لمهنة الكتابة ، ربما ليقيني المطلق أن الكتابة تحتاج إلى بعض الطمأنينة والهدوء ، وأنا شخص يمارس القلق بشكل شبه مرضي ، فالكاتب الصادق يكفيه من القلق بشأن حبكته وشخصياته وتدفق السرد وتكنيك الكتابة والبحث عن الكمال الناقص وبناء جملة سردية حقيقية وصادقة ، ذلك الجحيم المتصل لا يسمح بأي قلق من نوع آخر ، وإلا اتجه الكاتب إلى الجنون بسرعة سيارة فيراري .

عندما أقول أنني أقلق بصورة جنونية فالأمر بشكل صادق يتمثل في القلق على ومن أي شيء بديهي وساذج ، القلق على مستوى فريقي المفضل في كرة القدم ، القلق من وجبتي التالية وإذا ما كانت ستسبب لي آلاماً مبرحة في المرارة أو قولوني المسكين ، القلق على عائلتي من كل شيء ، القلق من عملي المضطرب حد الدمار ، القلق من عدم قدرتي على سداد فواتيري أو فقدان منزلي ، القلق من الطقس ، القلق من كوني وعاءاً مثالياً لأمراض لا أعرفها وأجهل وجودها ، التفكير دائماً في أسوأ الإفتراضات والمواقف والسيناريوهات . فقط تخيل شخص مثلي يصبح كاتباً ذو إنتاجية ثابته ، الأمر أشبه بتصويب مسدس آلي إلى حلقك .

ولذلك فأنا نادراً ما أكتب ، لا يوجد في رأسي المريض أي جانب يكفي لأن يخرج منه شيئاً حقيقياً وصادقاً ، وعندما يحدث هذا فأنا أكتب قصصي دفعة واحدة ، بعد أن تختمر داخل عقلي لفترات زمنية قد تصل لشهور وتبدأ في الإلحاح عليَ للخروج إلى الورق ، حتى أجد نفسي مجبراً للرضوخ لذلك الإلحاح وإخراجها دفعة واحدة لكي أستريح . أترك القصة البائسة على الورق فترة زمنية لا بأس بها ثم أعود إليها وأقرأها وكأنها تخص شخص غيري ، وعادة ما أًحبط من المستوى البائس للقصة ، فأعيد كتابتها من جديد بناءاً على معطيات جديدة ، أو ألجأ إلى الحل الأفضل والأمثل وهو تمزيقها تماماً .

هكذا وجدت نفسي أنتجت كتابين ، مجموعتين قصصيتين ، بصورة شبة متقطعة ، وبقصص تعفنت بالكامل داخل رأسي حتى كاد أن ينفجر تحت هذا الإلحاح .

وعندما أنهي ما يصلح ليسمى كتاباً ويحقق الحد الأدنى من الرضا داخل نفسي أعود لأشعر بالقلق من مستواه ، يشبه الأمر تماماً العمل وسط محيط هائج تحت ثقل عاصفة مميتة ، وبعد مداولات مضنية بيني وبين ضميري الأدبي أصل إلى الحد الأدنى من الإطمئنان أن ما كتبته يصلح للنشر ، أبدأ مرحلة جديدة وعنيفة في القلق من دور النشر .

أكره تلك الدور ، أكره ذلك التعالي الذي يتعاملون به مع الكتاب الشباب ، وكأنهم منزلون من السماء ويملكون الحقيقة المطلقة والذائقة المطلقة ، أكره برودهم وتعاليهم في الرد على الرسائل ، أكره تجاهلهم لهذه الرسائل من الأساس ، ولذلك فأنا أتحاشى النشر لفترات زمنية طويلة حتى لا أفقد أحترامي لنفسي ، وأشعر بالإرتياح طالما أن هناك عملاً منجزاً يقبع بوداعة داخل جهاز اللاب توب بلا حول ولا قوة .

عليك أن تتخيل أن هناك كائناً بائساً مثلي يمر بكل هذا ، ثم يجلس بكل إرادته ليكتب شيئاً ، الأمر منهك ومضني لأبعد حد . كما أنني لا أتصور أن هناك كاتباً حقيقاً وصادقاً لا يشعر بأدنى قلق من مستوى كتابته ، مهما بلغت خبرته وتمرسه .

وهنا أنقل قصيدة للشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي ، وكأنه كتبها خصيصاً لي ، وهذا سبب آخر لأسأل نفسي لماذا لا تكتب ؟

تريد أن تصبح كاتباً؟

تشارلز بوكوفسكي:

إذا لم تخرج منفجرةً منك،

برغم كل شيء

فلا تفعلها.

إذا لم تخرج منك دون سؤال،

من قلبك ومن عقلك ومن فمك ومن أحشائك

فلا تفعلها.

إذا كان عليك أن تجلس لساعات

محدقاً في شاشة الكمبيوتر

أو منحنياً فوق الآلة الكاتبة

باحثاً عن الكلمات،

فلا تفعلها.

إذا كنت تفعلها للمال

أو الشهرة،

فلا تفعلها.

إذا كنت تفعلها

لأنك تريد نساءً …. ….

فلا.. تفعلها.

إذا كان عليك الجلوس هناك

وإعادة كتابتها مرة بعد أخرى،

فلا تفعلها.

إذا كان ثقيلاً عليك مجرد التفكير في فعلها،

فلا تفعلها.

إذا كنت تحاول الكتابة مثل شخص آخر،

فانسَ الأمر.

إذا كان عليك انتظارها

لتخرج مدويّةً منك،

فانتظرها.. بصبر.

إذا لم تخرج منك أبداً،

فافعل شيئاً آخر.

إذا كان عليك أن تقرأها أولاً لزوجتك

أو صديقتك، أو صديقك

أو والديك أو لأي أحد على الإطلاق

فأنت لست جاهزاً.

لا تكن مثل كثير من الكتّاب،

لا تكن مثل آلاف من البشر

الذين سمّوا أنفسهم كتّاباً،

لا تكن بليداً ومملاً ومتبجّحاً،

لا تدع حب ذاتك يدمّرك.

مكتبات العالم قد تثاءبت حتى النوم

بسبب أمثالك.

لا تضِف إلى ذلك.

لا.. تفعلها.

إلا إن كانت تخرج من روحك كالصاروخ،

إلا إن كان سكونك سيقودك للجنون

أو للانتحار أو القتل،

لا تفعلها.

إلا إذا كانت الشمس داخلك

تحرق أحشاءك،

لا تفعلها.

عندما يكون الوقت مناسباً،

إذا كنت مختاراً

الأربعاء، 14 يونيو 2017

ثلاث مشاهد لقتل أنيق

نُشرت هذه المقالة على موقع ساسة بوست بتاريخ 26 أبريل 2017 






الأصل هنا المباغته ، كل شيء أنيق ، مرتب ، وبارد ..
دائماً ما نسمع الحقيقة من وجهة نظر القاتل ، هو يملك الوقت ليحكي ويسرد أسبابه ، ولكن ، هل فكرت من قبل في استيضاح بعض الأمور من الضحية ؟؟ جربت مثلاً أن تسأله عن انطباعاته .. ؟
ماركيز كان يقول أن أحد اخفاقاته ككاتب أنه لن يستطيع الكتابه عن تجربة الموت .. وعلينا أن نصدقه .
اليقين هنا أن كل شيء قد ينتهي في لمح البصر ، دون أن تملك الوقت لتدرك ما تم .

جـــون لينون
1940-1980
مساء ديسمبري بارد .
يحكم مارك ديفيد تشابمان غلق معطفه .. الأجواء باردة ولكن الحمم تتقافز في عقله ، يُعيد تثبيت نظارته الطبية على انفه ، يتحسس الجسم الصلب القابع في جيب معطفه ، يتأمل توقيع جون لينون على غلاف احد اسطواناته ، يبدو التوقيع متعجلاً وواثقاً ، ويسأل نفسه من أين له بكل هذه الثقة .
عندما يتزعزع يقينه بعض الشيء ، يقول لنفسه بأن لينون لم يكلف نفسه حتى لينظر في عينيه . يبصق .. ويتأمل واجهة البناية التي يسكن فيها جون لينون ، يتمتم : يطالبنا بتخيل العالم بدون تملك ، ويبتسم في سخرية .
بداية الثمانينات ، وحقبة عارمة على وشك الزوال .. يقرأ بعض مقاطع من رواية " الحارس في حقل الشوفان " ذات الغلاف الأحمر والتي لا تفارق يده ..
تتهادى الليموزين البيضاء حتى فوهة البناية الشاهقة .. ينزل منها جون برفقة يوكو – زوجتة – يعبر تشابمان الطريق .. صوت يسوع يتردد في عقله أن الخلاص قادم . تسبق يوكو زوجها ببضع خطوات .. ينطق تشابمان باسم جون لينون بنبرات مرتعشة ، لا يلتفت . تنطلق خمس رصاصات لتخترق جسد لينون النحيل .. ينتفض ، يهوى .. وفي ذروة الصراخ والارتباك الذي ساد المشهد ينزل تشابمان على ركبتيه ، يفتح صفحة عشوائية من الرواية ويبدأ في القراءة .

أندرية كارلوف
1954-2016
يبدو المشهد عبثياً بامتياز ، وكأنه خارج لتوه من أحد أفلام سكورسيزي .
المشهد مرتب ، نظيف ولامع . اللوحات الفوتوغرافية تطمئن على الحائط لتضفي لمسة سيريالية . السفير يرتدي حلة رمادية ويتكلم للحاضرين بنمطية ، يردد كلاماً من نوعية التقارب ، التعايش ، الفن .. شاب نحيل ، أنيق يقف خلفه ، هو المسئول عن حمايته .. يقف خلفه .. يفكر في روبرت دي نيرو في أحد مشاهد فيلم  Taxi Driverوهو يتدرب على استخدام الأسلحة بشغف ويردد : هل تعرفني ؟ ما الضرر اذا أعدنا ترتيب المشهد ليصبح واقعياً .. يقول الشاب لنفسه . يخرج مسدسه .. يطلق ثلاث رصاصات ، يتهاوى جسد أندرية كارلوف أمام العالم والشاب يبدأ في الصراخ .. كان يقول في أعماقه انه ان كان لابد علينا من أن نتعلم شيئاً فهو أن الألم يأتيك من حيث تبدأ في الإطمئنان .

بنظير بوتو
1953-2007
نهار خارجي ..
المجد ، التصفيق والعظمة .
تقف السيدة وتلوح للجماهير التي احتشدت من اجلها ، تستمد قوتها من صراخهم ، لهفتهم و نظرات الاعجاب المتدلية من أعينهم .
السيدة تفكر فيما مضى ، وترسم خططاً لمستقبل بعيد .
كونها انثى لن يعيقها عن شيء .. هي تعرف أنها حديدية ، عنيدة . والدها الذي أعدم ذات نهار ربيعي كان يردد ذلك باستمرار .
صدرها منقبض ولكنها لا تكف عن توزيع الابتسامات .
المشهد يبدو اسطورياً ، وكل ذلك من أجل امرأة .
السيدة تلوح ، وشخص ما قرر أن يمنحها موتاً يليق بالملوك .
رصاصتين .. واحدة في العنق ، وواحدة في الصدر .

قصص قصيرة جداً

          نُشرت هذه القصص في موقع الكتابة بتاريخ 28 مارس 2017 أنظر هنا



يوميـــــــات
تشعر بسخافة العالم، لا شيء يبعث علي التوهج، ثمة أصداء غريبة في الجو، فنجان القهوة الصباحي، موسيقى آندرية ريو، لبس علي عجل، حقيبة العمل وأخرج لجحيم العالم الخارجي .. مكالمات تصبغ اليوم بالهراء، تريد فيلماً، وكتاباً ومكان منعزل على حافة العالم، لماذا لا تذهب الى الاسكندرية .. تتراجع .. وجبة الغذاء .. مشوار العودة .. سكك مألوفة ، نوم ، كوب من الشاي .. فيلم تافه .. ثم نوم .. تباً لكل شيء .
انتظــــــــار
إمرأة العيون المستديرة ، رياح باردة ، طرقات مبلله ، وليلٌ مُلِغمٌ بالأسرار ، أعرفُ أَنْكَ في إنتظاري ، ولكنني لن ألتفت ، إنهم يريدونني ، يحتاجونني .. ولا أستطيع أن أرفض لهم طلباً .. هناك أولويات .. فانتظري كما يحلو لكِ .
عبــــــــــــور
لِيَكُنْ عبُوركَ ليلاً .. وانتظرْ على ضفة النهر الأخرى ، تلك الأنثى التي ستنبثقٌ لك من الظلام وتقول لك .. تعال إلى الحب والخلود .
فلا تتردد ، وَأْعْبُرْ .
أصداء لا تتحقق
يصطبغ اليوم بأول أنثى تراها ، كان ليلاً مرهقاً ، تريدُ الهروب لمكانٍ ما .. تحلمْ . فناجين القهوة تتراكم على طاولة المكتب ، تقابلها ، تعرفُ أنها ملت منك ، ولكن الصدأ يغزو روحك فلا تستطيع فعل شيء .. تبددت الاحلام فتمخض الجبل فولد ذبابة .. شيءٌ عالق في سماء العالم يحجب عنك الرؤية ، تتذكر حلمك القديم بتعلم عزف البيانو ، فتسخر من نفسك ، شيءٌ يقول لك أن أذهب للموت .. لماذا لا يأتي عندما نتمناه ؟ رتب تلك الفوضي حولك ، واخرج لفوضي العالم وتنفس .

الخميس، 9 مارس 2017

الكتابة تنين أخضر - عن نوستالجيا علاء الدين

 هل تعرف كيف بنى مارسيل بروست ملحمته الخالدة " البحث عن الزمن المفقود " ؟؟ فقط تذوق قطعه بسكويت صفعته الى الوراء عبر ملحمة نوستالجيا خالده .. هكذا تعيدني مدونة الكاتب الأنيق محمد علاء الدين الى أيام كانت لى .. أفتقد فيها برائتي وشغفي وأحلامي ..
مدونة الكاتب المصري محمد علاء الدين أحد تجليات النوستالجيا الخاصة بي .. لا تندهش .. أنا ابن هذه المدونة ، كانت كل عالمي الذي ألجه عندما أحتجت الى من يأخذ بيدي في عالم الكتابة الذي كان مجرد شغف مطموس لا أعرف كيف أمارسه  .. في الصباحات المبكرة  كنت أذهب الى السايبر ، أضع الهيدفون على أذني ، اجعل مقطوعة عمر خيرت " العرافة والعطور الساحرة " تنساب الى تلافيف عقلي لتزيل عنه ما علق به من صدأ وأقرأ مدونة الكتابة تنين أخضر ..
بدأ الأمر بمجرد ضغطة زر عن كلمة الكتابة .. تجيئني المدونة بين نتائج البحث .. أتردد .. أضغط .. وأغوص في عالمه الذي كان يتشكل ببطء .. وقت أن كان اليوتيوب لا يزال في غياهب القدر .. والفيس بوك لا يزال يحبو ليجد له مكاناً ، كانت هذه المدونة مكاني ومستقري .. لا زلت أتذكر كيف كان ولعه بإقتناء الدفاتر والأقلام الرصاص .. نعيه عندما رحل هنري ميللر .. صورته في سيوة والتي لم أكن قد سمعت عنها الا في حصص الجغرافيا .. وعندما نشر مقطعاً من كتاب " كلبي الحبيب .. كلبي الهرم " لأسامة الدناصوري لأقرأة قبل أن أقتني الكتاب .. والكثير والكثير .. هذه المدونة هي عمري وأحد أسباب تشكلي وعشقي للكتابة ..
محمد علاء الدين كاتب أنيق .. صامت .. لا يثير أي ضجة .. يكتب من أجل الكتابة .. من أجل الأدب .. يلتقط أدق التفاصيل .. ويداعب مخيلتك .. هو واحد من أبناء الجيل الذي نقل الكتابة في الأدب إلى الذات .. الذات هي العالم ، وما عداها عدم .. واحد من أبناء الجيل الذي يحاول في هذا الوقت أن يصنع فارقاً وألا يبالي بالقمامة التي تلفظها لنا دور النشر التي نشأت في زمن الفيس بوك .. جيل طارق إمام ومحمد صلاح العزب وإبراهيم فرغلي وغيرهم وغيرهم ..
ولازلت في هذا الزمن رغم كل الثورة التكنولوجية التي تحاصرني ، ألج اليها .. بدافع من حنين ممض .. كاشياقي بالضبط الى عطر أبي ،  ولرائحة الصباحات المبكرة لأيام كانت لي .. ولكتب البدايات .. دائماً البدايات لها رونق لا يُنسى .

لينك المدونة هنا



الجمعة، 8 يناير 2016

يوميات الحزن الإعتيادي






فكر جيدا .. الحياة ليست مُنصفة ..
الحزن يُبيد الروح .. يتغلغل حتى لا يُبقى منك شيئاً .. والذكريات مجرد أداة لسحقنا .. منذ متى نمارس النسيان .. منذ متى نتعلم أبجديات الحياة .. لماذا لا تعترف بأنك ضعيف وأن الحياة مجرد لعنة كُتب علينا أن نعيشها .. وكيف لك أن تعيش بكل هذا الحزن .. أهو مادي يمكن لك أن تلمسه بأطراف أصابعك كعازف كمان فيتكلم .. يهمس .. يُغرد .. فليفعل شيئاً .. أي شيء ..
ربما لازلت في بداياتك .. تعرف بدايات الطريق .. تعرف الليل عندما يبدأ .. تعرف لحظات التوالج بين الليل والنهار .. تعرف كيف يكون الحب .. ولكن قلت لك .. الحزن يُبيد الروح ..
هل فكرت لحظة في الوحدة .. لماذا كُتب علينا أن نعيش وحدنا .. نمارس تلك اللعنة وحدنا .. فتلعترف بأنك أضعف من أن تنثر الأسئلة وتجد الإجابات ..
الضعف والوحدة والألم وكل تلك الذكريات .. وأنت .
لماذا لا تفعل مثل هيبا .. تغسل نفسك من ماضيك وأفكارك ورأسك الأحمق وتبدأ من جديد .. بإسم جديد حراً من غدك المقسوم .. حراً من عبادة أمس ..
قلت لك .. أنت لا تبرع إلا في نثر  الأسئلة .. ولا إجابات ..
ربما في الأبدية البيضاء ستجد بعضاً من نفسك .. ربما ستعرف شكل الحزن وهيئتة .. ربما ستتقبل وحدتك كما هي لأنه – من المفترض – أن لا بديل عنها .. ربما ستعرف مآل ذكرياتك .. ربما لا تتبدل هيئتك كثيراً .. ربما تجد إجابة .. أي إجابة ..
فلتفعل ما تعرفه .. ما تبرع فيه .. مارس موتك السريّ وحدك .. مت كما ينبغي لعاجز .. انتهى كما لو أن كل تلك الأسئلة ستنتهي .. وأعلم أنك لا شيء .. لا شيء على الإطلاق .

                                                                                                   محمد الدناصوري 

الأحد، 8 يونيو 2014

اللعنة



نُشرت هذة القصة في مجلة البوسطجي بتاريخ 8/6/2014
العصاري ..
خَفَ لهيب الشمس .. وإنتثرفي الجو عبير الخضرة ، ونسمه شذية تداعب الوجوة علي إستحياء ..
أراه كثيراً ، يقفُ وسط الحقول يحاول أن يجعل طائرته الورقية تحلق في الفضاء – كالعصافير -  كما يقول .. ساعدته كثيراً .. ولكن في الفترة الأخيرة أصَرَ علي أن يجعلها تحلق بمفرده .. قال لي ذات يوم إنه لا يحلم سوي أن يكون " شاطراً " في المدرسة .. وأن تحلق طائرته ، وأن يتزوج زينب .
ضحكت كثيراً .. حتى أنت ياسفروت تريد أن تتزوجها .. وداعبني شجن غريب وأنا أمسح علي رأسة بيدي .
" زينب " .. ذلك الجحيم وسط السماء .. مجرد ذكرها يبعث في النفس النشوه .. تحلق روحي سريعا نحو فضاءات لا أدري منتهاها ، وسرعان ما تهوي .
قال لي .. إنه يذهب لها كل يوم ويحكي لها ما مر به وما ضايقة من أقرانه وتلك الألعاب التي نجح أن يتمها .. ويقول لي إنها تستمع إلية ، ثم تطبع قبله علي خده وتقول لة .. " شاطر " .. يقولها بفخر وكأنة يعلم ما بداخلي ، ما يمور بنفسي .
أعلم أنها لعنه .. كل من يقترب منها مصيرة الموت ، ولكني أرغب فيها بشده .. أرغب فيها حتى لو كانت هي آخر ما سيحدث لي في الدنيا ، والناس لا تكفُ عن الحديث وترديد الحكايات .
-       " لم يبقْ سواك يازينة الشباب " .. تقولها أمي بحسرة بعدما شعرت بما يدور في عقلي .. أحاول أن أبعدها عن تفكيري .. ولكنها تأبي .. تفرضُ حضورها علي القرية وعلي كل من فيها وكأنها الشيء الوحيد الحقيقي في حياتنا .. وأن كل ما سواها عدم .
أقول لـ " ناصر " أنها كبيرة عليه .. فينظر لي بغضب ويقول بيقين ..
-       هي قالت أنها ستنتظرني ..
ثم يمضي ساحباً طائرته وراءة ..  ولا ينظر لي .. أفكر .. " والمصير ياناصر ؟ "
من أجلها سال الدم لأول مرة في قريتنا الوديعة .. فإبتعدَ الجميعُ عنها وهم يستعيذون .. ثم نسوا كأي شيء عابر في الحياة .. ثم عادت حكايتها مرة أخري مع موت ذلك الرجل الذي جائها من البندر مهروساً تحت قضبان القطار بعدما تلقي موافقتها علي الزواج .. أيّ لعنه ؟؟؟
أقول لـ " ناصر " وهو يمرح حولي .. بأنه لا ينبغي عليه سوي التفكير في مدرسته وطائرته ثم يتفرغ لزواجها بعدما يكبر ..
نظر إليّ وهو يضيق عينية .. ثم قال : لماذا تغار مني ؟
سَكَتْ وراقبته يبتعد مرةً أخري بعدما ألقي رصاصته التي أصابت قلبي .. أأغار منه حقاً ؟ أم أنني أخشي عليه ؟ .. لا أعرف .

لم أصل ليقين إلا عندما أستيقظت من قيلولتي علي صراخ النساء وأمي تردد بأن ناصر هوي في البئر وهو يعدو محاولاً جعل طائرته تطير كالعصافير .. ثم وجدت نفسي أردد وانهار الدموع تغرق ثيابي .. أيّ لعنه ؟؟                         

الأربعاء، 4 يونيو 2014



عين الخيال
                                                                                   قصة قصيرة
                                                                             بقلم : محمد الدناصوري
" القصة منشورة بتاريخ 4/6/2014 ببوابة روز اليوسف  "هنا
أعرف عنك كل شيء ..
أقضي الوقت في هذا المقهي .. أدخن .. وأقرأ .. وأتأمل البشر .. قد تقول عني دجالاً .. ولكني أعرف كل شيء .. أعرف فيم تفكر .. بما تحلم .. وأعرف مصيرك .. دائماً يشغلني سؤال المصير .. أين المآل ؟؟ ومتي ؟؟ .. أعرف مصائر هؤلاء البشر ..
من مقعدي هنا .. يتاح لي أن أتأمل الجميع دون أن أثير الريبة .. كما يُتاح لي تأمل أولئك المخطوفين بالحياة .. المشوشين .. الشاردين .. العابرين إلي سكك مجهولة .. وأماكن ارتبطت بهم .. أقول لك عن صدق .. أعرف كل شيء ..
دعني أولاً أُشعل سيجارتي قبل أن تبرد القهوة .. لا يجوز أن أشرب القهوة بدون سيجار .. فهما متلازمتان روحيان بالنسبة لي .. دعني أدخل في الموضوع .. أعرف أفكارك وأعرف أنك مللت مني .. تريد برهاناً .. صح ؟؟ .. إليك ما تريد ..
أنت تعرف ذلك الرجل الذي يجلس بمفرده تحت صورة بالأبيض والأسود تصور حسناء أوروبية وهي تقرأ .. تعرف ذلك الجمال الطاغي الذي لا يتجسد إلا بالأبيض والأسود .. تروق لي فكرة أن الله خلق الدنيا في صورتها الأولي بالأبيض والأسود .. معذرة .. شغلتك بأفكار خارج الموضوع .. أنت تراه هنا كل يوم .. أليس كذلك ؟ .. يرتدي معطفه الرصاصي .. وربطة العنق المزركشة ويجلس شارداً ينظر للاشيء .. قد يجول في خاطرك أنه واقع في ورطة مالية .. أو أنه يعاني من إحدي حالات الإكتئاب الناتجة من هذا العبث اليومي الذي يواجهنا كل يوم .. أو أنه يخطط لقتل شخص ما .. شخص ما يجثم علي صدرة ولكنه لن يجد راحته إلا إذا أزاحه من علي وجة الأرض .. تخيل .. أعرف أفكاره .. وأعرف مصيره .
عزيزي .. لا تكن لحوحاً .. لا تتوقع من الساحر أن يكشف أوراق لعبته بحركة واحدة .. ينبغي عليَ أن أحافظ علي ما يسمونه في سينما اليوم بالساسبنس .. لا تستغرب .. أقرأ كثيراً .
في الطاولة المقابلة له .. إنظرْ .. ثمة شاب متأنق .. في هذا الزمن أنت تعرف هؤلاء من شكلهم .. حليق .. بروفل كلاسيكي مع ربطة عنق سوداء .. وحقيبة يد جلدية تعج بأوراق هي كل مصيرة .. ويتحدث بلين مع ذلك المتعجرف الذي يجلس بلامبالاة أشبة برد فعل بروتس عندما همَ بقتل يوليوس سيزر وقال  له " حتي أنت يابروتس "  نعم ما تفكر فية صحيحاً .. هو مندوب لإحدي شركات التسويق .. أفسدت مفاجأتي .. ولا تتفاجأ لأني عرفت فيم تفكر .. قلت لك أقرأ أفكارك .
أراك تنظر حولك ، لم يعد أمامنا سوي تلك الفتاة وذلك الشاب .. هي متأنقة ، نظراتها مخترقة .. وجسدها بض .. وهو وسيم إلي حد ما يتكلم معها – كما تري – بود .. يحرك يديه وكأنة يتوسل شيء ما .. وهي تضع قدماً علي قدم وتحرك إصبع الإبهام علي قدميها بشكل مثير للتوتر وبملل .. قد تفكر أنهم عشيقين وهو بصدد منح وعد جديد بالزواج .. أو حل مشكلة ما قامت بينهم ليلة البارحة .. لا عزيزي .. ليس ما تفكر فيه .. وتذكر عنصر الساسبنس .
عندما تنفذ مني المادة الخام هنا ، أتطلع للخارج .. تلك المنضدة تتيح لي أن أتأمل أولئك الساعين علي الأرض .. أختار فريستي بهدوء .. فليس كل الأفكار تستحق أن تُعرف .. أختار تلك الأفكار التي تكون بمثابة وجبة خفيفة بين وجبتين أساسيتين .. لا أشغل بالي بتلك الأفكار الوجودية والعظيمة التي تدور في رأس بعض الحمقي .. نعم حمقي .. لن يأخذوا من الحياة سوي وجهها المقزز .. والباهت .. رغم محاولاتهم المستمرة لتأمل الحياة والموت .. والتفكير بالمصير .. وتكون نهايتهم أن يكونوا قناعة ما بأن " تباً لكل شيء " أعرفهم جيداً فقد كنت أضيع وقتي معهم أيام كنت مبتدئاً .
آه .. تلك المراة .. الشاردة .. التي تسير ووجهها عند موضع قدميها .. وكأنها تعيش في تلك الحياة وحدها .. لا .. لا هي لا تفكر في تلك الأفكار الحمقاء التي كنت أتحدث عنها منذ قليل .. سمعت أفكارها داخل رأسي قبل أن تدخل الكادر .. لا تندهش .. مصطلحاتي سينمائية نوعاً ما .. فأنا أعشق السينما .. بالمناسبة .. هل شاهدت "Angels  The City of  " ؟ .. لا !! يجدر بك مشاهدته .. ذلك الملاك الذي تخلي عن خلودة من أجل إمرأة فانية .. وعندما أصبح بشراً مثلها .. ببساطة ماتت .. هذا هو العبث بأزهي صورة .. يجدر بك قراءة كافكا أيضاً .. فهو يتكلم عن العبث الذي يدور في خلدك بعضاً منه ..
ههههههههه .. لست أنا الخضر .. أرجوك ابتعد عن الثالوث المقدس هنا .. لسنا في حاجة لأن يتهمنا أحد بالكفر والإلحاد .. سأقول لك .. فقط إجلب لي قهوتي .. وأشعل سيجارتي .. فلا شيء ملائم لكشف السر سوي فنجان القهوة والسيجارة .. تلك طقوسي .
نبدأ بما إنتهينا .. تلك المراة ببساطة لا تفكر إلا في ماذا ستعد لزوجها علي الغذاء ؟؟ .. ههههه .. لا تستنكر أرجوك .. فقط إذهب إليها وقل لها ببساطة : ما رايك سيدتي ببعض قطع الدجاج المخلية وبعض المعكرونة وياحبذا لو كأس من النبيذ .. ستندهش .. وتنظر إليك بشذر .. وقد توجه كلمة شكر مقتضبة وهي تغادرك وقد استحسنت فكرتك في نفسها .
أمم .. تلك الفتاة .. مازالت تحرك إصبعها والملل في أوجة .. هي بالمناسبة تفكر في أن ذلك الشيء القابع أمامها .. لا يستحقها .. وكيف كان لقاؤهما الجنسي الأول مثيراً للملل بشكل مستفز .. أفكر جدياً أن أذهب إليها وأقول .. " سيدتي .. لماذا لا نقض الليلة معا ؟؟ " صدقني ستعيد ترتيب حساباتها .
ذلك الفتي الذي يحاصر ذلك الرجل .. يبحث عن أقرب فرصة للضغط علي ذلك الوتر الذي يسمونة في عالم التسويق نقطة اللاعودة .. فقط إبلع الطعم .. قرر .. أشتري .. واندم بعد ذلك كما يحلو لك .. يحاول إتمام عملية بيع شيء ما .. ربما بوليصة تأمين .. والرجل بمنتهي السهولة سيقول له " دع رقم هاتفك .. قد أفكر .. وربما نلتقي مرة أخري " إذهب لذلك الفتي وقل له " إلتقط حقيبتك وأرحل " .. بعض الأشياء لا تستحق منا المحاولة .
لماذا تأخرت القهوة ؟ .. بدأت أفقد أعصابي .. ما رأيك ببعض مقطوعات جدارية محمود درويش ؟؟ .. قد تكون مفيـدة لساعـات التوتـر تلـك .. أدهشنـي تأملـة للمـوت مثلمـا أتأملة أنا .. " هزمتك ياموت الفنون جميعها " و .......................
معذرة .. وبالمناسبة لست ثرثاراً .. إعتذر من فضلك عن ذلك الرأي السمج الذي كونته عني .. ودعني أنتهي منك ..
لم يتبق سوي رجل المعطف .. بالمناسبة .. هو زوج تلك المرأة التي كانت تفكر في وجبتة التالية ... هي لا تعرف ماذا يضمر لها هذا الأحمق .. يفكر بالطريقة التي يخونها مع تلك المترجمة التي تعمل معه في شركتة دون أن يخسر يحبها ودون أن يقوض ما بناة معها في تلك السنوات .. لا تندهش عندما أقول لك .. كل المبررات جاهزة لتلافي عملية جلد الذات الخائنة .. أحمق مثل كل الرجال ..

قلت لك أعرف كل شيء .. قد تقول عني دجالاً .. ولكني أعرف كل شيء .. أعلم أنك تريد أن تنصرف .. أكمل مشروبك وأذهب .. خذ .. بعض المال لتشتري أقراص الترامادول التي تتعاطاها .. لا تنظر لي بتلك النظرة من فضلك .. ستقتلك تلك الأقراص .. ألم أقل لك أعرف كل شيء .

الخميس، 29 مايو 2014

بدون عنوان - قصة قصيرة جداً





يصطبغ اليوم بأول أنثي تراها ، كان ليلاً مرهقاً ، تريدُ الهروب لمكانٍ ما .. تحلمْ . فناجين القهوة تتراكم علي طاولة المكتب ، تقابلها ، تعرفُ أنها ملت منك ، ولكن الصدء يغزو روحك فلا تستطيع فعل شيء .. تبددت الاحلام فتمخض الجبل فولد ذبابة .. شيءٌ عالق في سماء العالم يحجب عنك الرؤية ، تتذكر حلمك القديم بتعلم عذف البيانو ، فتسخر من نفسك ، شيءٌ يقول لك أن أذهب للموت .. لماذا لا يأتي عندما نتمناه ؟ رتب تلك الفوضي حولك ، وأخرج لفوضي العالم وتنفس . 

رجل الطين ، عتبات الهشاشة

في مجموعتها القصصية الأولى والأحدث " رجل الطين " للكاتبة رحاب لؤي – والتي تجيء بعد رواية فارقة ومهمة في المشهد الثقافي العربي...