الثلاثاء، 6 مايو 2025

 لماذا لا أكتب ؟

أو المخرج الساذج حتى لا أشعر بالذنب

Edward Hopper 


هناك دائماً سؤالاً إكليشيهياً ومستهلكاً يسأله الصحفيين الثقافيين على الكتاب في كل مرة دون أدنى شعور بالضحالة ، وهو لماذا تكتب ؟ ..

لم يفكر أحد من قبل في طرح سؤالاً يبدو في نظري أكثر واقعية وتحققاً ومصداقية ، وهو لماذا لا تكتب ؟

ثم فكرت أنا أن أطرح هذا السؤال على نفسي ، حتى أعطي لنفسي مخرجاً أنيقاً وساذجاً في نفس الوقت يمنعني من الوقع تحت وطأة الذنب الذي ينهشني ليلاً نهاراً بلا رحمة .

أقول بكل صدق أنني لا أكتب لأنني لا أصلح تماماً لمهنة الكتابة ، ربما ليقيني المطلق أن الكتابة تحتاج إلى بعض الطمأنينة والهدوء ، وأنا شخص يمارس القلق بشكل شبه مرضي ، فالكاتب الصادق يكفيه من القلق بشأن حبكته وشخصياته وتدفق السرد وتكنيك الكتابة والبحث عن الكمال الناقص وبناء جملة سردية حقيقية وصادقة ، ذلك الجحيم المتصل لا يسمح بأي قلق من نوع آخر ، وإلا اتجه الكاتب إلى الجنون بسرعة سيارة فيراري .

عندما أقول أنني أقلق بصورة جنونية فالأمر بشكل صادق يتمثل في القلق على ومن أي شيء بديهي وساذج ، القلق على مستوى فريقي المفضل في كرة القدم ، القلق من وجبتي التالية وإذا ما كانت ستسبب لي آلاماً مبرحة في المرارة أو قولوني المسكين ، القلق على عائلتي من كل شيء ، القلق من عملي المضطرب حد الدمار ، القلق من عدم قدرتي على سداد فواتيري أو فقدان منزلي ، القلق من الطقس ، القلق من كوني وعاءاً مثالياً لأمراض لا أعرفها وأجهل وجودها ، التفكير دائماً في أسوأ الإفتراضات والمواقف والسيناريوهات . فقط تخيل شخص مثلي يصبح كاتباً ذو إنتاجية ثابته ، الأمر أشبه بتصويب مسدس آلي إلى حلقك .

ولذلك فأنا نادراً ما أكتب ، لا يوجد في رأسي المريض أي جانب يكفي لأن يخرج منه شيئاً حقيقياً وصادقاً ، وعندما يحدث هذا فأنا أكتب قصصي دفعة واحدة ، بعد أن تختمر داخل عقلي لفترات زمنية قد تصل لشهور وتبدأ في الإلحاح عليَ للخروج إلى الورق ، حتى أجد نفسي مجبراً للرضوخ لذلك الإلحاح وإخراجها دفعة واحدة لكي أستريح . أترك القصة البائسة على الورق فترة زمنية لا بأس بها ثم أعود إليها وأقرأها وكأنها تخص شخص غيري ، وعادة ما أًحبط من المستوى البائس للقصة ، فأعيد كتابتها من جديد بناءاً على معطيات جديدة ، أو ألجأ إلى الحل الأفضل والأمثل وهو تمزيقها تماماً .

هكذا وجدت نفسي أنتجت كتابين ، مجموعتين قصصيتين ، بصورة شبة متقطعة ، وبقصص تعفنت بالكامل داخل رأسي حتى كاد أن ينفجر تحت هذا الإلحاح .

وعندما أنهي ما يصلح ليسمى كتاباً ويحقق الحد الأدنى من الرضا داخل نفسي أعود لأشعر بالقلق من مستواه ، يشبه الأمر تماماً العمل وسط محيط هائج تحت ثقل عاصفة مميتة ، وبعد مداولات مضنية بيني وبين ضميري الأدبي أصل إلى الحد الأدنى من الإطمئنان أن ما كتبته يصلح للنشر ، أبدأ مرحلة جديدة وعنيفة في القلق من دور النشر .

أكره تلك الدور ، أكره ذلك التعالي الذي يتعاملون به مع الكتاب الشباب ، وكأنهم منزلون من السماء ويملكون الحقيقة المطلقة والذائقة المطلقة ، أكره برودهم وتعاليهم في الرد على الرسائل ، أكره تجاهلهم لهذه الرسائل من الأساس ، ولذلك فأنا أتحاشى النشر لفترات زمنية طويلة حتى لا أفقد أحترامي لنفسي ، وأشعر بالإرتياح طالما أن هناك عملاً منجزاً يقبع بوداعة داخل جهاز اللاب توب بلا حول ولا قوة .

عليك أن تتخيل أن هناك كائناً بائساً مثلي يمر بكل هذا ، ثم يجلس بكل إرادته ليكتب شيئاً ، الأمر منهك ومضني لأبعد حد . كما أنني لا أتصور أن هناك كاتباً حقيقاً وصادقاً لا يشعر بأدنى قلق من مستوى كتابته ، مهما بلغت خبرته وتمرسه .

وهنا أنقل قصيدة للشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي ، وكأنه كتبها خصيصاً لي ، وهذا سبب آخر لأسأل نفسي لماذا لا تكتب ؟

تريد أن تصبح كاتباً؟

تشارلز بوكوفسكي:

إذا لم تخرج منفجرةً منك،

برغم كل شيء

فلا تفعلها.

إذا لم تخرج منك دون سؤال،

من قلبك ومن عقلك ومن فمك ومن أحشائك

فلا تفعلها.

إذا كان عليك أن تجلس لساعات

محدقاً في شاشة الكمبيوتر

أو منحنياً فوق الآلة الكاتبة

باحثاً عن الكلمات،

فلا تفعلها.

إذا كنت تفعلها للمال

أو الشهرة،

فلا تفعلها.

إذا كنت تفعلها

لأنك تريد نساءً …. ….

فلا.. تفعلها.

إذا كان عليك الجلوس هناك

وإعادة كتابتها مرة بعد أخرى،

فلا تفعلها.

إذا كان ثقيلاً عليك مجرد التفكير في فعلها،

فلا تفعلها.

إذا كنت تحاول الكتابة مثل شخص آخر،

فانسَ الأمر.

إذا كان عليك انتظارها

لتخرج مدويّةً منك،

فانتظرها.. بصبر.

إذا لم تخرج منك أبداً،

فافعل شيئاً آخر.

إذا كان عليك أن تقرأها أولاً لزوجتك

أو صديقتك، أو صديقك

أو والديك أو لأي أحد على الإطلاق

فأنت لست جاهزاً.

لا تكن مثل كثير من الكتّاب،

لا تكن مثل آلاف من البشر

الذين سمّوا أنفسهم كتّاباً،

لا تكن بليداً ومملاً ومتبجّحاً،

لا تدع حب ذاتك يدمّرك.

مكتبات العالم قد تثاءبت حتى النوم

بسبب أمثالك.

لا تضِف إلى ذلك.

لا.. تفعلها.

إلا إن كانت تخرج من روحك كالصاروخ،

إلا إن كان سكونك سيقودك للجنون

أو للانتحار أو القتل،

لا تفعلها.

إلا إذا كانت الشمس داخلك

تحرق أحشاءك،

لا تفعلها.

عندما يكون الوقت مناسباً،

إذا كنت مختاراً

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رجل الطين ، عتبات الهشاشة

في مجموعتها القصصية الأولى والأحدث " رجل الطين " للكاتبة رحاب لؤي – والتي تجيء بعد رواية فارقة ومهمة في المشهد الثقافي العربي...