الجمعة، 30 يناير 2026

رجل الطين ، عتبات الهشاشة


في مجموعتها القصصية الأولى والأحدث " رجل الطين " للكاتبة رحاب لؤي – والتي تجيء بعد رواية فارقة ومهمة في المشهد الثقافي العربي " قرية المائة " – يقف أبطال المجموعة على حافة الكثير من العتبات الفرعية التي تسيطر على أجواء المجموعة بالكامل " عتبة الفقد " بكل أشكاله وصوره " موت ، طلاق ، تقاعد ، وخيانة " و " عتبة الانهيار " بكل أشكاله " اكتئاب ، خوف ، عجز واحتراق " و " عتبة الخرافة " ، بينما العتبة الرئيسية التي يقف الجميع هنا على حافتها بلا استثناء بمختلف معاناتهم وآلامهم وحكاياتهم هي " عتبة الهشاشة الإنسانية " . تكتب رحاب لؤي في مجموعتها القصصية " رجل الطين " عن بشر عاديين ، في منتهى العادية ، في لحظات انكسار غير درامية بالمرة ، وعبر أدوات رمزية في منتهى الذكاء السردي ، وبوعي نفسي عميق وبطريقة صادقة ومؤلمة ومتماسكة كعالم واحد لا يتجزأ ، عبر مجموعة من الأماكن ليست محايدة بحد ذاتها ، وليست مجرد ديكور وهمي يتحرك فيه الشخصيات بلا هدف ، تكتب واحدة من أعذب المجموعات القصصية وأكثرها إيلاماً ، يقف فيها جميع أبطالها على حافة عتبات الهشاشة ، ولا أحد فيهم يعبر تلك العتبة إلى خلاص نهائي ، لكن الجميع يتعلم كيف يقف ولو مؤقتاً ، دون أن يسقط سقوطاً مدوياً ونهائياً . لا خلاص هنا ، بل إعادة ترتيب ، إعادة تموضع ، ورؤية مغايرة للألم والحياة . شخصيات رحاب لؤي ليست ثورية ، وليست بطولية ، بل تتكيف تماماً مع وضعها الحالي ، وتتعلم كيف تحتال على الألم ، بل وتخترع وسائل بقاء متفردة ، تواجه عجزها وتتفهم أن العجز ليس فشلاً بل وضعاً إنسانياً طبيعياً حين تختل مفاهيم العالم ، وتختل معها ضمائرنا الإنسانية . كل هذا يأتي مغلفاً بلغة شديدة العذوبة والشفافية والصدق ، لغة ترفض الميلودراما الفجة ، بدون خطابات زاعقة ، وبدون أن تحتمل من المعاني ما لا يمكن أن تحتمل ، لغة ينبض الألم والوعي الإنساني والضمير الحيَ في كل تفصيلة فيها ، عبر وصف سرديَ يكاد يكون هو بطل المجموعة الأوحد وبلا منازع ، لتقدم لنا اثنتى عشر قصة فارقة في وجودها الأدبي . 

   رجل الطين : 

أنت في قلب الحدث مباشرة ، حال كل قصة قادمة ، بلا مقدمات أو فلسفة فارغة ، قصة تقوم على ثنائية الأعلى والأسفل . البطلة في مقعدها الدائم خلف ثقب في نافذة هو تذكرة ولوجها للعالم الخارجي " ثقب نافذتي الذي جاء بالضبط أمام ناظري ، بطول جلستي فوق المقعد ، هو منحتي الربانية " ، بينما الرجل العاري إلا مما يستر عورته في الأسفل ، حفرة في الأرض ، ولكنه حر في وجوده الروحي . هذه المفارقة تخلق توتراً دلالياً ، العجز الجسدي لا يعني بالضرورة ضعفاً ، والانحطاط المكاني لا يعني انعدام القيمة . ثقب النافذة الذي يمثل للبطلة رمزاً كلاسيكياً للحد الفاصل بين ( الداخل \ الخارج ) ( الذات \ العالم ) ( الأمان \ الخطر ) هو أداة رؤية فقط لا مشاركة ، مما يعمق مأساة البطلة ، أنها ترى ، ولكنها لا تستطيع فعل شيء . " الطين على جسد الرجل القابع هناك ، داخل الحفرة ، كأنما يلتصق بي ، وأثر البلل ، كأنما يبللني أنا ، فصرت أمرض وأجوع نيابة عنه " تمثل الأم هنا سلطة الخوف والحماية ، ترى الرجل شيطاناً وتحاوط ابنتها بعنايتها وخوفها من العالم الخارجي بكل ما يمثله " لكن أمي تحبني كثيراً وتخاف أكثر " بينما يمثل الأب هنا سلطة المعنى ، التصوف ، والإيمان بالباطن ، يرى رجل الطين ولياً من أولياء الله الصالحين ، يشفق عليه ، ويحنو عليه . تقول الفتاة بعد وفاة الرجل " لماذا نبكي حين يموت الطيبون ؟" تسأل نفسها سؤالاً يبدو في ظاهره السذاجة والعفوية ، ولكنها سرعان ما تجاوب نفسها إجابة تعتصر القلوب وتحمل في طياتها كل براءة ونضج هذا العالم الذي تكاد لا تعرف شيئاً عن وجهه البشع " ربما لأن الكون بشع جداً ، لأنهم يمثلون رحمة الله في الأرض ، تصير الدنيا أكثر قتامة من دونهم ، أو لأنهم أسدونا خدمة جليلة بأنهم لم يكونوا أوغاداً ولا مجرمين " تطرح الكاتبة عبر تلك القصة اشكالية الألم المشترك ، وكيف يعاد تأويل البؤس بعد زوال خطره ، وكيف يتحول العجز إلى بصيرة ، وتصرخ في وجه مجتمع لا يرى المختلف إلا بعد موته . 

 الممـــــــر 

 يقف مختار بطل قصة " الممر " على حافة عتبة وجودية ، الخروج على المعاش ، الفراغ المنتظر ، الشيخوخة الرمزية ، عتبة فقدان المعنى . مختار هنا هو شخصية إشكالية ، لا تحرك الحدث ، بقدر ما يكشف الحدث نفسه عن هشاشته الداخلية ، شخصية عابسة وكئيبة ، لا يرى الحياة إلا " سلسلة متواصلة من المعاناة " ويؤمن أنه " لا يتوجب على المرء أحياناً أن يفكر في أبعد من لحظته الحالية " .. يحاول مختار أن يتفهم شعوره ، يدرك احداثيات ما يمر به ، حدود مشاعره بالضبط وهو يقف على حافة عتبة الفراغ الكبرى التي تنتظره ، ولكنه لا يدرك في النهاية ، خصوصاً أن سعد ، صديقه الوحيد الذي خطط مختار لتقاعد أعتبر فيه سعد ركناً أساسياً فيه ، القطب السردي المضاد الذي يمثل نقيض مختار في كل شيء ، ولكنه الصديق الذي لا يحاول تغيير مختار ، يحترم غضبه ، ويمنحه دوماً مساحته ، ولكن مختار يفقد سعد للأبد فجأة ، ويتحول هذا الفقد إلى فقداً كارثياً ، يفكك استقرار مختار الهش ، مختار هنا لا يفقد صديقاً فقط ، بل يفقد الآخر الذي كان يتحمله بكل عيوبه وهشاشته النفسية . في جنازة سعد ، ترتدي الطالبات أوشحة حمراء ، ويقفون في ممر شرفي لجثمان المعلم الذي يحبه الجميع ، هذا الممر يفسره مختار في وعيه الواعي أنه مجرد نفاق وإدعاء .. بينما في لاوعيه ، يدرك تماماً أنه اعتراف ضمني وصريح بشخصية الرجل الذي ترك معنى وأثر في نفوس الآخرين ، ويغضب مختار للممر .. يستنكره ، يبدو هنا غضباً ليس أخلاقياً ، بل دفاعياً .. هو ينكر قيمة الاعتراف الإجتماعي ، لأنه يشك تماماً في داخله من استحقاقه له . يظهر هنا الصدع الداخلي والهشاشة التامة ، مختار ، يدعي الإكتفاء الذاتي ، يستنكر ، ولكنه في أعمق أعماقه يتوق إلى مثل هذا الإعتراف .. كل هذا يظهر عندما يدخل إلى مقر عمله في يومه الأخير " هكذا الأمر إذا .. لاشيء " لا أحد ليودعه ، لا أحد يتذكره ، ولا أحد يهتم .. غياب الاعتراف الذي كان مختار يستنكره يضعه وجهاً لوجه أمام مشهد من الفراغ الخالص ، لا صراع هنا ، بل انكشاف داخلي كامل ، سؤاله عن غياب الممر الشرفي ليس سؤالاً بريئاً عن مجرد طقس اجتماعي ، ولكنه مجموعة من الأسئلة التي هوت على رأسه كمطرقة " هل كنت مرئياً ؟؟ هل تركت أثراً ؟؟ هل كنت موجوداً من الأساس .. ؟؟ " " حان وقت الكوابيس يامختار .. لا أرض تحتك ولا سماء " هكذا يردد لنفسه . في أثناء عودته ممتلئاً بمرارة الإنكار ، يشتري مختار نبتة متسلقة ، مقاومة للظروف المناخية ، تنمو بقوة ودون جهد يذكر ، يطلق عليها اسم " سعد " ويحملها إلى بيته . شراء النبتة هو خاتمة رمزية شديدة الذكاء ، كل الصفات التي اختارها في النبتة هي صفات تعاكس حياة مختار الداخلية السابقة ، وبينما يشكل الإنهيار الذي واجهه مختار عند خروجه من المدرسة وكأنه لم يكن لحظة مواجهة الذات بلا أقنعة ، تظهر النبتة في حياته كأنها جسراً يحمله من التعلق بالبشر إلى التعلق بالمعنى ، وشكلاً بسيطا من العلاج الرمزي الذاتي ، مجرد نافذة أخرى تفتح له باباً من أبواب المقاومة ، يتحول فجأة من رجل يظن أن عدم الإكتراث يحميه ، إلى رجل يكتشف أن الإنسان لا يحتمل العيش بلا أثر . قصة نفسية بامتياز ، لا تقدم خلاصاً بطولياً ولا سعادة كاملة ، بل حياة أهدأ ، وأكثر احتمالاً . 

  حزن أبيض

تسير القصة على مسارين متوازيين ، يلتقيان في النهاية رغم استحالة ذلك فيزيائياً . المسار الأول يمثل الرحلة المكانية تبدأ من بيت الأم .. السيارة .. الإسكندرية .. وتنتهي بالبحر . والمسار الثاني والذي يمثل الرحلة النفسية والتي تبدأ من الخوف والإغتراب .. الصمت .. التقبل .. المحو .. ثم تنتهي بالامتلاء .. الحدث الخارجي هنا بسيط جداً ، ولكن تتجلى قيمته الأدبية من كونه حاملاً لتحول داخلي عميق في نفس طفلة تقف تماماً على عتبة الهشاشة الداخلية بمفردها . مجرد فتاة صامتة ، لا تبكي ، لا تتذمر ، لا تشكو ولا تطالب . صمتها ليس حيادياً ، بل مجرد لغة دفاعية بحتة ، صمت يكشف هشاشة شخصيتها ، ويمنحها في الوقت نفسه قوة داخلية غير معلنة وفرصة لمراجعة ذاتها الواعية تماماً بها ، هي ليست بطلة فاعلة ، بل محتملة ، تعيش الأحداث دون أي قدرة على تغييرها . عندما تواجه البحر لأول مرة في حياتها القصيرة ، لا تواجة مكاناً مجرداً ، بل حدث وجودي . لذلك عندما تقف على عتبة الماء ، تتوقف ذاكرتها ، تسقط الانقسامات ، وتتلاشى تماماً كل المشاعر السلبية التي كانت تسيطر عليها منذ بداية الرحلة ، يؤدي البحر هنا وظيفته المثالية في التطهير ، والعودة إلى الأصل ، ومثل الاحتواء الواسع غير المشروط ، نسيانها حتى لأمها لا يحمل أي قسوة ، بل يدل على تعليق مؤقت لكل الروابط في حياتها القصيرة ، حتى الأكثر أماناً منها . يمثل النسيان هنا بوصفه شفاءاً لا إنكاراً ، هي لم تحل مشاكلها ، لم تشعر بالأمان المطلق ، ولكنها بهذه المواجهة حصلت على استراحتها النفسية ، وعلى احتواء بلا شروط ، وطمأنينة مؤقتة بلا صراع . تتحول الطفلة من شخصية تقف على عتبة الهشاشة ، إلى طفلة تمتلك العالم كله ، ولو مؤقتاً . انتصارات صغيرة . 

 في الظلام .. 

هنا يتجلى الوصف بصفته بطلاً فاعلاً وليس مجرد أداة سردية .. قصة عن إمرأة تعيش تحت وطأة البؤس المتراكم ، والخيارات المحدودة ، والخوف بصفته جزءاً من حياة يومية طاحنة ، في مكان بائس ، وسيلة المواصلات فيه تمثل سلم إنحدار ، أداة يفقد بها البشر إنسانيتهم ، ويتحولون إلى مجرد بهائم ، وسيلة تغيب فيها الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية ، وأدنى متطلبات الأمان ، يصبح الجسد هنا مجرد سلعة تٌكدس ، مجرد وسيلة مواصلات قبيحة هي نتاج سنوات الذل والفقر والجهل والمهانة . يُقدم سائقها هنا كنتاج للغضب .. القهر .. وشعور بالقوة الزائفة .. حين تحثه " نور " على الإسراع لكي تلحق بعملها لا يسمع منها طلباً ، بل يرى طلبها إهانة ، فينتقم منها بالسير بسرعات جنونية على طرق بائسة غير ممهدة ، وهنا تتحول السيارة البائسة إلى مجرد أداة عقاب جماعي لبشر لا ذنب لهم إطلاقاً إلا أنهم يطلبون الحد الأدنى من معيشة كريمة ، لا يمثل الفقر هنا بمعناه الأشمل قلة المال فقط ، بل يتحول إلى أداة لخيارات أسوأ ، مخاطر أكبر ، مجرد فقر يصنع إحتجاجاً رمزياً أفقياً " بين الفقراء أنفسهم " بدلاً من أن يصنع إحتجاجاً رأسياً " ضد البنية الظالمة نفسها " .. الفقر هنا ليس فردياً ، بل مؤسسياً ، ليس نتاج تفاصيل صغيرة ، بل نتاج لتراكمات مأساوية عصفت بالطبقات الأدنى في السلم الإجتماعي ، قصة واقعية سوداء تطرح سؤالاً هاماً " كيف يصبح الموت احتمالاً عادياً في حياة المهمشين ؟؟ " 

 قلب عبد الوهاب 

تتحرك هذه القصة وفق منحنى واضح ولكنه غير تقليدي ، تبدأ بإمرأة تفكر في انتحار هاديء ثم المنعطف عندما يمر بائع النباتات ، ثم تصل إلى الذروة الرمزية بإختيار النبتة ، ثم انتهاءاً بالخاتمة التي تتحول فيها المرأة من حافة الفناء إلى حيلة البقاء . لا توجد هنا أحداث كبيرة ، بل حدث واحد صغير يغير مسار الوجود ، تشعر المرأة برغبة في إنهاء كل شيء ، تفقد الحياة بالنسبة إليها معناها تماماً ولكنها تؤجل فكرتها في الانتحار خوفاً من امتداد العذاب ، وخوفاً من إفساد بضاعة البائع الذي يمر تحت شرفتها دون ذنب ، في فعل يكشف حس المسؤولية حتى في أقصى لحظات اليأس ، وهو ما يجعلها شخصية إنسانية جداً ، ومثالية جداً ، ربما مثاليتها هي التي دفعتها دفعاً نحو تلك النهاية التي كانت على وشك الحدوث ، حتى يحول بائع النباتات الدفة إلى مصير آخر . يكون البائع هنا مجرد وسيط وجودي ، ليس منقذاً وليس مرشداً بل مجرد شخص يقدم أداة نجاة ، دون إكليشيهات رنانة . تختار المرأة نبتة تستطيع أن تنمو في الظل ، لا تحتاج إلى أدنى درجات الإهتمام ، تتحمل الجفاف ، تستمر في الصمود رغم فقدان أوراقها . هذا ليس اختياراً عشوائياً ، بل إسقاطاً كاملاً لحالة المرأة النفسية ، تمثل النبتة هنا حياة بلا شروط ، بلا وعود براقة ، بقاء بلا احتفاء ، جمال غير مرئي ، " كيف لا أكون بمثل قوة هذه النبتة ؟ " ، تسأل المرأة نفسها ، تنبهر المرأة بقدرة النبتة على النمو ، رغم الإجهاد والعطش وغياب الإهتمام ، والظلام والفقد ، يصبح هذا السؤال هو الأهم في القصة برمتها ، ولكن الذكاء السردي هنا لا يجعل المرأة تجاوب نظرياً ، بل تتحول فعلياً . تتحول من امرأه تقف على حافة عتبة التبدد وانعدام المعنى إلى إمرأة تبتكر طرقاً يومية للبقاء ، لا تُشفى تماماً ، ولكنها تستمر ، مجرد حبل نجاة بسيط ، ولكنه فعال . لا توجد هنا خطابات داخلية طويلة ، مجرد ضربات رشيقة بالفرشاة على سطح هش تماماً يمنح هذه المرأة الحياة ، عبر نبتة لا تحاكم ، لا تطلب ، ولا تخذل . نبته تمنح المعنى ، تستعيد المرأة مستعينة بالنبتة - كمثال حي على المقاومة – قدرتها الكاملة على السيطرة ، تتعلم التكيف ، بدلاً من السعي الكامل للتعافي . تقدم رحاب لؤي النبات في هذه المجموعة ليس بصفته زينة سردية ديكورية ، بل بصفته حلاً سردياً بديلاً ، يمنح المعنى ، يلهم الحياة ، ويعلم . في قصة الممر وقصة قلب عبد الوهاب لا يوجد خطابات مباشرة وعظية ، ولا خلاص بطولي ، بل مجرد كائن صامت ينمو ببطء ويغير المصير .. يتحول النبات فجأة في القصتين إلى بطل منقذ ، فاعل رمزي صامت ، في لعبة سردية جميلة ترفض المعجزات وتستبدلها بالاستمرارية ، في كلتا القصتين يرث النبات وظيفة الإنسان الغائب عند البطلين ، يرث مكان الصديق \ المعنى \ الرغبة العارمة في البقاء . يصبح جسراً يحمل التغيير المباشر من العلاقات البشرية الهشة ، إلى العلاقة الرمزية الثابتة .. في كلتا القصتين يصل البطلان إلى حافة لحظات الإنكسار القصوى ، يقتربون من نهاية منطقية ، حتى يظهر النبات فجأة في حياتهم ليقدم مسؤولية محدودة ، غير ضاغطة ، غير مباشرة ، لكنها ذات معنى في قيادة التحول من الأسئلة الكبرى والإنكار القاسي إلى لحظات السلام النفسي والتكيف والاعتراف بالحق في ممارسة الحياة بإنهاء القصتين دون إغلاق كامل ، بل بفتح اتجاة ، مجرد اتجاة ، لكي نجد أن مختار لم يبدأ حياة جديدة مع النبتة ، والمرأة لم تحب الحياة فجأة ، لكن كليهما تعلم من النبات كيف لا يموت . كلاهما يقفان على عتبة الهشاشة ، ثم يعبران إلى الأمان . 

 شوكولاتة

تبدأ القصة من حاضر مأزوم " رجل مطلق – مدخن سابق – محترق نفسياً " ثم تنفتح على الماضي عبر تكنيك الفلاش باك ليعود البطل في النهاية إلى حاضره القاسي دون حل فعلي سوى أمنيات سحرية غير متحققة ، عبر آلية تبرهن على عجز الحاضر عن إنتاج معنى ، مع هيمنة الماضي بوصفه الملاذ الوحيد . يظهر المكان هنا بوصفه محفزاً فاعلاً للذاكرة . تبدو المدرسة القديمة لبطل القصة كبوابة سردية ورمز للبدايات ، ليست كمكاناً عرضياً ، وجماداً بلا روح . بينما يشكل استدعاء الماضي من المدرسة إلى مرحلة الروضة حركة ارتدادية نحو الأصل ، وكأن وعي الإنسان ينكمش إلى الوراء بحثاً عن نقطة الأمان الأولى . كل هذا يبدأ بقطعة شوكولاتة كمكافئة طفولية ، وطقس عزاء وحيد في عالم قاس . بينما تلعب الذكريات والنوستالجيا واستدعاء الطفولة حيث كان السحر ممكناً ، مباراة سردية قاسية مع الحاضر ، حيث الاحتراق والحنين والفشل والزوجة المطلقة التي ليس الزوج " البطل " من ضمن أولوياتها . لتنتهي المباراة بانسحاب نفسي من واقع غير محتمل ، مع بحث عن ذات غير مثقلة بالخسارات لشخصية لم تهزم بضربة واحدة ، بل تم استنزافها ببطء . هنا تشكل قطعة الشوكولاته – التعويذة – الحنين إلى الماضي محاولات صغيرة لإعادة ترتيب عالم رجل فقد تماسكه . 

 غيمــــة 

امرأة أخرى تقف على حافة الهشاشة المطلقة ، مهزومة ، جريحة ، ضحية عنف زوجي ، تصحو من نومها وفي عينيها غيمة تجعل الموجودات من حولها غير مرئية .. تستعيد ما جرى ، ما تم ، يبدو الضباب الذي يحيط بها وكأنه حجاب بين الذات والعالم ، رمز لصدمة متراكمة ، ولغة جسد حين يعجز الوعي عن الاحتمال . بينما يشكل الضباب هنا حماية مؤقتة ، لا عقاباً .. تجاهد المرأة لتدرك أن جسدها يمارس حيلة لا تستهدف إفزاع بقدر ما تستهدف تهدئتها . لحظة تحالف جميلة بين الوعي والجسد ، الألم والمعنى ، لذلك بدلاً من الهلع ، تتنفس . تسمح لنفسها ألا ترى كل شيء دفعة واحدة ، تسترد ولو تدريجياً سيادتها الداخلية في عالم قاس وزوج عنيف وعمل فاسد وعدالة غائبة . 

 ضريح الشيخ 

تبني الكاتبة قصة " ضريح الشيخ " على انقسام حاد ، يمارس البطل الصغير في جزء القصة الأول مهرجاناً طقسياً بالغ العذوبة والدفء ومفعم بالحسية المطلقة . ثم يتحول كل شيء في جزء القصة الثاني إلى مجرد ركام . هكذا ببساطة . في الجزء الأول من القصة تبدو طقوس الصباح في البلدة الريفية ليست مجرد تفاصيل صغيرة أو روتينية في حياة أسرة ريفية بسيطة ( الإفطار – قراءة الفاتحة عند الضريح – اللبن ) بل نظام حياة متماسك يمنح العالم من حولهم قابلية للفهم والتعايش والطمأنينة . ثم في الجزء الثاني يأتي هدم كل شيء كصدمة سردية تكسر الإيقاع الحسي والدافيء للقصة وتحول النص من مجرد إحتفال وحنين إلى فاجعة وركام وعدم . يبدو المكان هنا في هذه القصة بوصفه كائناً ذات روح " المطعم هو القوت ، الضريح هو المعنى والقداسة والخرافة ، بينما يشكل بيت الجارة العلاقة الإنسانية . هدم كل شيء لا يؤسس لخطاب إكليشيهي ساذج ، بل يؤسس إلى مبدأ أن الحياة اليومية يمكن بكل بساطة وبجرة قلم ، أن تُقتلع تماماً من جذورها ، تُطمس الذكريات ، وتؤسس للفراغ كبديل رمزي للدفء والمحبة والعمران . قرار الصبي مغادرة القرية عقب عجزه عن مواجهة هذا العدوان الجائر ، هو مجرد فعل احتجاجي صامت ، وإعلان قطيعة مع مكان فقد قداسته بالنسبة إليه ، ونهاية مفتوحة على النضج القسري ، هنا يبدو غضب الصبي أنقى من حزنه ، حيث أزالت قوة غاشمة عالمه الدافئ من حوله دون استئذان . 

 مـــامـــا 

امرأة أخرى على حافة الهشاشة ، اشكالية الأمومة بوصفها استنزافاً ، الأم هنا مُحبة ، مسؤولة ، ولكنها منهكة حد التلاشي ، لا تكف عن حمل عبء أبنائها فقط ، ولكنها تفكر أيضاً في ابناء جارتها التي قضي عليها السرطان ، وتبدو تجسيداً حياً على أن الأمومة هنا عبء ثقيل أكثر منها بطولة رومانسية . تعيش المرأة ارهاقاً مزمناً ، وشعوراً دائماً بالذنب ، وخوفاً هستيرياً من الفشل في بث الطمأنينة في قلب أطفالها ، يقابل كل هذا استنزافاً عاطفياً وعصبياً ، تفكيرها الدائم بأطفال جارتها هو مجرد إسقاط لخوفها من مصير مشابه ، وعبء أخلاقي إضافي يزيد من الإحتراق النفسي . تظهر القطة في منتصف القصة كمرآة للذات المنهكة ، المستنزفة ، تضع المرأة لها الطعام ولا تسمح لها بالدخول ، ولكنها تفهم أن القطة تريد الونس والحنان وترفض الأكل .. وهي لا تقدر عليه ، تؤدي المرأة الحد الأدنى من الواجب الإنساني في محاولة منها لإسكات الشعور بالذنب الذي يأكلها .. تضع حول نفسها حدوداً قاسية لكنها تصبح ضرورية للبقاء . تضع القطة المرأة أمام سؤال أخلاقي قاسي : " هل مازال فيك متسع لكائن إضافي ؟ " فيما تبدو إجابة المرأة ليست بـ " لا " بل " ليس الآن " . إجابة منطقية لإمرأة وصلت لأقصى حدود طاقتها الإنسانية . 

 عمار البيت .. 

أكثر قصص المجموعة تفرداً في بنيتها وأفكارها وفلسفتها ، كوب الشاي الثقيل الذي تتناوله عقب وجبة دسمة ومشبعة . بطلها شاب " طول بعرض " الوصف المبدئي يخلق توقعاً بالقوة والقدرة ، لكن السرد يهزمه فوراً لنجد أنه " خائب وجبان " يغرق في الحيرة عندما يموت والده تحت أنظاره ، يطرد من شقته عندما يموت والده ، ولم يكن يجرؤ أحد على فعل ذلك أثناء حياة والده .. مشاهد رسمتها الكاتبة بضربات فرشاة سريعة ، تخلق تسارعاً خانقاً وشعوراً بأن العالم لا يمنح للضعفاء مساحة للحزن . يشتري شقة بـ تحويشة عمره ، شقة بلا جذور ، بلا ذكريات ، بلا دفء .. جاهزة تماماً لاستقبال الاسقاطات النفسية ، ولهذا تصبح فوراً مسرحاً مثالياً للخرافة . تظهر جارته العجوز في المشهد كمعادل موضوعي لصوت الخرافة الموروث ، الوسيط البشري بين الواقع والغيبيات ، تحذيرها له بأن هناك أرواحاً تسكن هذه الشقة لا يصنع الخوف من العدم ، بل يسميه ، يمنحه شكلاً وصفات يمكن التعامل معها . بينما يلجأ الشاب لسلاحه الوحيد في مواجهة الخوف الذي باغته دون أن يحتسب ، يقلب عينيه داخل رأسه ، يخترع حيلة تمكنه من السيطرة على قلقه ، إيهام نفسه بأنه يمسك بزمام كل شيء ، وأن الأمور لا زالت تحت سيطرته ، يهديء نفسه ، يتفاوض مع الأرواح التي لا يراها ، ولكنه يشعر بوجودها ، يبدو تماماً كشخصية مسالمة تبحث عن التعايش فقط لا السيطرة ، رغبة محضة في أن يعيش دون أن يزعج العالم من حوله ، تدب الطمأنينة في أوصاله عندما يختفي التشويش من الراديو وينطلق صوت القرآن صافياً ، طمأنينة ليست مصدرها اختفاء التشويش أكثر من أنه وصل ليقين ما أنه خاطب خوفه وأقنعه ونجح ، واطمأن . 

 في النهاية ، تنتصر رحاب لؤي في هذه المجموعة للمهمشين ، تربت على أكتافهم ، تنتصر لهم أحياناً ، ولكن الأغلب والأكيد أنها تنتصر بهم ،تفعل ذلك دون خطابات زاعقة ، أو ميلودراما فجة ، أو حتى محاكمات إكليشيهية .. مجموعة قصصية تنتصر للضمير الإنساني وتردنا رداً قاسياً إلى أنفسنا ، تجعلنا نرى العالم من منظور مختلف ، وتؤكد أنه مهما حدث فلا مجال للنجاة الفردية أو الجماعية سوى بأن نعترف أننا لن ننجو وحدنا .

هناك تعليق واحد:

رجل الطين ، عتبات الهشاشة

في مجموعتها القصصية الأولى والأحدث " رجل الطين " للكاتبة رحاب لؤي – والتي تجيء بعد رواية فارقة ومهمة في المشهد الثقافي العربي...