نُشرت هذه المقالة على موقع ساسة بوست بتاريخ 26 أبريل 2017
الأصل هنا المباغته ، كل شيء أنيق ، مرتب ،
وبارد ..
دائماً ما نسمع الحقيقة من وجهة نظر القاتل ،
هو يملك الوقت ليحكي ويسرد أسبابه ، ولكن ، هل فكرت من قبل في استيضاح بعض الأمور
من الضحية ؟؟ جربت مثلاً أن تسأله عن انطباعاته .. ؟
ماركيز كان يقول أن أحد اخفاقاته ككاتب أنه
لن يستطيع الكتابه عن تجربة الموت .. وعلينا أن نصدقه .
اليقين هنا أن كل شيء قد ينتهي في لمح البصر
، دون أن تملك الوقت لتدرك ما تم .
جـــون لينون
1940-1980
مساء ديسمبري بارد .
يحكم مارك ديفيد تشابمان غلق معطفه ..
الأجواء باردة ولكن الحمم تتقافز في عقله ، يُعيد تثبيت نظارته الطبية على انفه ،
يتحسس الجسم الصلب القابع في جيب معطفه ، يتأمل توقيع جون لينون على غلاف احد
اسطواناته ، يبدو التوقيع متعجلاً وواثقاً ، ويسأل نفسه من أين له بكل هذه الثقة .
عندما يتزعزع يقينه بعض الشيء ، يقول لنفسه
بأن لينون لم يكلف نفسه حتى لينظر في عينيه . يبصق .. ويتأمل واجهة البناية التي
يسكن فيها جون لينون ، يتمتم : يطالبنا بتخيل العالم بدون تملك ، ويبتسم في سخرية
.
بداية الثمانينات ، وحقبة عارمة على وشك
الزوال .. يقرأ بعض مقاطع من رواية " الحارس في حقل الشوفان " ذات
الغلاف الأحمر والتي لا تفارق يده ..
تتهادى الليموزين البيضاء حتى فوهة البناية
الشاهقة .. ينزل منها جون برفقة يوكو – زوجتة – يعبر تشابمان الطريق .. صوت يسوع
يتردد في عقله أن الخلاص قادم . تسبق يوكو زوجها ببضع خطوات .. ينطق تشابمان باسم
جون لينون بنبرات مرتعشة ، لا يلتفت . تنطلق خمس رصاصات لتخترق جسد لينون النحيل
.. ينتفض ، يهوى .. وفي ذروة الصراخ والارتباك الذي ساد المشهد ينزل تشابمان على
ركبتيه ، يفتح صفحة عشوائية من الرواية ويبدأ في القراءة .
أندرية كارلوف
1954-2016
يبدو المشهد عبثياً بامتياز ، وكأنه خارج
لتوه من أحد أفلام سكورسيزي .
المشهد مرتب ، نظيف ولامع . اللوحات
الفوتوغرافية تطمئن على الحائط لتضفي لمسة سيريالية . السفير يرتدي حلة رمادية
ويتكلم للحاضرين بنمطية ، يردد كلاماً من نوعية التقارب ، التعايش ، الفن .. شاب
نحيل ، أنيق يقف خلفه ، هو المسئول عن حمايته .. يقف خلفه .. يفكر في روبرت دي
نيرو في أحد مشاهد فيلم Taxi
Driverوهو يتدرب على استخدام الأسلحة بشغف ويردد : هل تعرفني ؟ ما الضرر اذا
أعدنا ترتيب المشهد ليصبح واقعياً .. يقول الشاب لنفسه . يخرج مسدسه .. يطلق ثلاث
رصاصات ، يتهاوى جسد أندرية كارلوف أمام العالم والشاب يبدأ في الصراخ .. كان يقول
في أعماقه انه ان كان لابد علينا من أن نتعلم شيئاً فهو أن الألم يأتيك من حيث
تبدأ في الإطمئنان .
بنظير بوتو
1953-2007
نهار خارجي ..
المجد ، التصفيق والعظمة .
تقف السيدة وتلوح للجماهير التي احتشدت من
اجلها ، تستمد قوتها من صراخهم ، لهفتهم و نظرات الاعجاب المتدلية من أعينهم .
السيدة تفكر فيما مضى ، وترسم خططاً لمستقبل
بعيد .
كونها انثى لن يعيقها عن شيء .. هي تعرف أنها
حديدية ، عنيدة . والدها الذي أعدم ذات نهار ربيعي كان يردد ذلك باستمرار .
صدرها منقبض ولكنها لا تكف عن توزيع
الابتسامات .
المشهد يبدو اسطورياً ، وكل ذلك من أجل امرأة
.
السيدة تلوح ، وشخص ما قرر أن يمنحها موتاً
يليق بالملوك .
رصاصتين .. واحدة في العنق ، وواحدة في الصدر
.



